رقائق الحروف
كتابات خاصة بعيدا عن السياسة قريبا من الادب
مشكلة ابيي

مشكلة ابيى
تحد منطقة أبيي من الغرب بولاية جنوب دارفور ومن الجنوب بولاية شمال بحر الغزال ومن الشرق بولاية الوحدة وليس هناك من خلاف يذكر في كل هذه الحدود، يتركز الخلاف في الحدود الشمالية التي تتبع لولاية غرب كردفان.
يقول المسيرية بأن منطقة عموديات دينكا نقوك التسع والتى ضمت في 1905 إلى مديرية كردفان هى جنوب بحر العرب ويقول الدينكا بأنها شمال بحر العرب إلى بحيرة كيلك، وجاء قرار اللجنة قريبا من دعوى الدينكا فأعطتهم حدودا من الناحية الشمالية تمتد لحوالي مئة كيلو متر شمال بحر العرب وهي مساحة شاسعة بكل المقاييس
وقد اتخذت اللجنة ذلك القرار الخطير رغم اعترافها الصريح بأنها لم تتمكن من معرفة حدود المنطقة التي ضمت في 1905 ولكنها بذلت مجهودا مقدرا في الاطلاع على الوثائق التاريخية في دار الوثائق السودانية وفي جامعتى أكسفورد ودرم وطافت على المنطقة واستمعت لعدد من الشخصيات والجماهير من القبيلتين حول رؤيتهم للمشكلة، والتقت ببعض قدماء الإداريين الانجليز الذين عملوا في تلك المنطقة.
تعتبر لجنة الخبراء أن قرارها ملزما لرئيس الجمهورية لأن البروتوكول الموقع بين حكومة السودان والحركة الشعبية في 26 مايو 2004 ينص على أن قرار الخبراء الدوليين ملزم ونهائي في حال فشل اللجنة مكتملة من التوصل إلى اتفاق حول الحدود ( تتكون اللجنة من 5 أعضاء يمثلون جانب الحكومة و5 يمثلون الحركة بالإضافة إلى الخبراء الخمسة الذين يترأسهم السفير الأميركي السابق في السودان دونالد بيترسون).
الجدير بالذكر أن البرتوكول الموقع عليه حول أبيي هو اقتراح أميركي محض تقدم به المندوب الأميركي كحل وسط عندما احتدم الخلاف حول أبيي لأن الحكومة أصرت في البداية على تطبيق حدود 1956 المتفق عليها في بروتوكول ماشاكوس كفاصل بين الشمال والجنوب، وأصرت الحركة أن أبيي تابعة لبحر الغزال وبها عموديات دينكا نقوك التسع التي ضمها الانجليز إداريا في 1905 إلى مديرية كردفان.
وكما تنازلت الحكومة في حالة جبال النوبة وفى حالة جنوب النيل الأزرق تنازلت أيضا في منطقة أبيي وأعطتها وضعا إداريا متميزا تابعا لرئاسة الجمهورية كما أعطتها حق تقرير المصير بعد الفترة الانتقالية.
وظهرت مشكلة تحديد المنطقة التي ضمت إلى كردفان في 1905 وتضاربت حولها المواقف فكونت اللجنة المذكورة سابقا للقيام بهذه المهمة ورفعها لرئاسة الجمهورية، واكتفت اللجنة برفع رأي الخبراء فقط لأن الجانبين لم يتفقا على موقف موحد.
تساهلت الحكومة كثيرا في قبول المقترح الأميركي الذي انحاز لموقف الحركة الشعبية، وقبلت أن يكون الخبراء الدوليون هم الحكم النهائي في ترسيم حدود سودانية قد سبق أن حسمت عند الاستقلال وبتوقيع ماشاكوس الذي اعتمد حدود 1956م، ورضيت أن يكون كل الخبراء من الغربيين والأفارقة الذين عرفوا بانحيازهم لموقف الحركة وتحت رئاسة أميركية سياسية تريد إرضاء اللوبي الموالي للحركة في أميركا كما تريد أن تضع يدها على كميات البترول الهائلة التي تذخر بها منطقة غرب كردفان.
ورغم أن ترسيم الحدود لا يؤثر في الوقت المنظور على حقوق الرعي والانتقال التي مارسها المسيرية عبر عقود طويلة، الا أن فكرة نزع أراضي جدودهم واحتمال ضمها إلى الجنوب بعد الفترة الانتقالية وفقدان ما تحمله تلك الأرض من ثروات يؤرقهم ويقض مضجعهم.

سلمت لجنة الخبراء الخمسة الدولية تقريرها حول حدود منطقة أبيي إلى رئيس الجمهورية، وجاء التقرير مؤيدا إلى حد كبير مطالب دينكا نقوك التي تدعمها بقوة الحركة الشعبية ورافضا لمطالب المسيرية الحمر التي تؤيدها الحكومة.
ورغم التمازج القوى والتعايش السلمي بين المسيرية والدينكا لسنوات طويلة الا أن علاقاتهم شهدت صراعا وقتالا داميا في بعض الحقب خاصة في فترة السبعينات ومنتصف الثمانينات. وقد أعلنت معظم فصائل المسيرية رفضهم جملة وتفصيلا لقرار لجنة الخبراء وبدأت التعبئة السياسية والجماهيرية في مدن غرب كردفان التي سارت فيها المظاهرات الحاشدة، ولا ينبغي أن يستهين أحد بأن تلك التعبئة قد تنقلب إلى شيء آخر يموج بالعنف بين يوم وليلة!
ولعل هذا التخوف هو الذي حدا بالمؤتمر الوطني أن يعلن بوضوح أن لجنة الخبراء قد فشلت في المهمة التي أوكلت إليها وهي تحديد المنطقة التي ضمت إلى مديرية كردفان في عام 1905 حسب اعترافها، ولذلك فان ما تقدمت به ليس ملزما لرئيس الجمهورية.
وما يقول به المؤتمر هو حيلة قانونية لا بأس بها ويمكن أن يزيد عليها ذريعة أخرى وهي ان اتفاقية السلام تنص على أن اللجنة أعطيت مهلة الفراغ من مهمتها خلال العامين الأولين من الفترة الانتقالية ومن ثم يمكن تأجيل البت في المشكلة في الوقت الحاضر.
ولكن المشكلة ليست مسألة أكاديمية نظرية تحل على أساس الوثائق التاريخية بل هي في المقام الأول مشكلة سياسية واقتصادية واجتماعية تتنازع عليها قبائل المنطقة لذا ينبغي أن تراعى فيها حقوق ومكتسبات كل الأطراف المعنية بناء على تسوية سياسية مقبولة للجميع.
وقد سبق للحكومة أن فعلت ذلك في حالتي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق اللتين لا شك في تبعيتهما للشمال، كذلك ينبغي للحركة أن تقبل في حالة آبيي تسوية مماثلة ان أرادت تحقيق السلام في تلك المنطقةفي

كتابي الصادر في مايو الماضي بعنوان «اتفاقيات السلام ومشروع الدستور 2005م في الميزان» قلت: «فجوة الثقة بين طرفي التفاوض كانت واسعة، فهما يمثلان طرفي النقيض الفكري في السياسة السودانية. كان الحوار بينهما في الغالب عقيما. فجوة الثقة هذه أضرت بالمصلحة الوطنية في أمرين: الأول هو أن وصول الحوار لطريق مسدود في كثير من القضايا أوجب تدخل الوسطاء برأي ثالث قبله الطرفان، لكنه يحمل بذرة تناقض داخله. هذه الحقيقة تركت حوالي عشرين بندا من بنود الاتفاقية رمادي المعنى، قابلا لأكثر من تفسير. أما الثاني: فهو إيجاد دور كبير للأسرة الدولية في مراقبة ومتابعة وإنقاذ الاتفاقية». قضية أبيي إحدى هذه البنود حمالة الأوجه.
اتسمت معالجة قضية أبيي بسلبيات دامغة بالتناقض، والتعسف، والتجاوز وعدم التوازن.
أولا: وقع الطرفان المفاوضان على بروتوكول أبيي في 26/ 5/ 2004م وخلاصته: أن الرئاسة «الرئيس ونائباه» سوف تعين مفوضية حدود أبيي، لكي تحدد وترسم على الطبيعة عموديات الدينكا ـ القبيلة الكبيرة في جنوب السودان ـ التسع التي ضمت لمديرية كردفان «الشمالية»، بعد أن كانت تابعة لمديرية بحر الغزال «الجنوبية» في عام 1905م، وجاء في البروتوكول أن المفوضية سوف تشمل ـ ضمن آخرين ـ ممثلين لأهل المنطقة والإدارة المحلية وخبراء. ثم وقع الطرفان على ملحق لهذا البروتوكول في 17/12/2004م متناقض في بعض تفاصيله مع البروتوكول وخلاصته: أن المفوضية سوف تتكون من 5 أعضاء تعينهم الحكومة السودانية و5 أعضاء تعينهم الحركة الشعبية و5 أعضاء خبراء ممثلين لأمريكا وبريطانيا و3 من دول الإيقاد. على أن يفوض الأمر للخبراء الخمسة إذا عجز الطرفان عن الوصول لاتفاق. التناقض هنا في ثلاثة أمور: التخلي عن مشاركة أهل المنطقة وإدارتها الأهلية والاكتفاء بتعيينات حزبي التفاوض ـ التخلي عن تفويض الأمر للمفوضية ليقرره الخبراء إذا عجز الحزبان عن الوصول لاتفاق ـ وأخيرا فإن البروتوكول أمهل المفوضية عامين بينما الملحق أوجب حسم الأمر في شهرين.
ثانيا: الصفة التي اختير بموجبها الخبراء الخمسة هي أنهم محايدون بين الحكومة والحركة. إنه حياد مزعوم، فالولايات المتحدة تعتبر النظام السوداني مجرم حرب وما برحت مؤسساتها الدستورية تمطره بوابل الإدانات، فالولايات المتحدة هي التي أدانته بالإبادة الجماعية في دارفور مما أوجب التحقيق الدولي ثم القرار رقم 1593. والكنغرس الأمريكي هو الذي أصدر قانون سلام السودان التجريمي في نوفمبر 2002 واستمر يجدده سنويا ويؤيده الرئيس الأمريكي. وأصدر بعد ذلك قانون السلام الشامل في السودان في أكتوبر 2004.
أما وسطاء الإيقاد فقد ظهر عدم حيادهم بين الطرفين في مشروع ناكورو، الذي قدمه باسمهم الجنرال سيمبويو في 6/ 8/ 2003، والذي قبلته الحركة الشعبية أساسا للتفاوض ورفضه النظام السوداني. نعم إن التحكيم ينبغي أن يوكل لمحايدين ولكن افتراض الحياد في هذه الحالة محض تعسف.
ثالثا: الخبراء الأجانب تجاوزوا صلاحياتهم بصورة منكرة، وبيان ذلك:
أ. كان المطلوب منهم أن يرسموا حدود عموديات الدينكا التسع التي ضمت لكردفان عام 1905م. قالوا إنهم لم يعثروا على وثائق حاسمة لتحديد موقعها، ولم يقفوا عند هذا الاستنتاج بل تجاوزوا مهمتهم لتناول قضايا أخرى.
ب. قالوا إن المسيرية «القبيلة العربية الشمالية التي تسكن جنوب غرب كردفان» قبيلة مترحلة ولا يمكن ضبط حدود ديارها. إذا صح هذا المقياس فلا ديار للقبائل البدوية في السودان.
ج. وحكموا على أن الإداريين البريطانيين في السودان كانوا واهمين لأنهم اعتبروا بحر العرب هو الحد الفاصل بين مديريتي كردفان وبحر الغزال. ولكن الحد في نظرهم يقع شمال بحر العرب في منطقة «الرقبة الزرقاء»، لذلك قرر الخبراء أن الحد يقع في مناطق شمال بحر العرب لم تكن أصلا محل نزاع مثل كليك، والهجليج، ونجاما.
رابعا: مثلما أن هناك عدم توازن في حياد الخبراء بين طرفي النزاع، فإن هناك عدم توازن في أهمية أبيي بالنسبة لطرفي التفاوض الذين تركت لهما القضية، وتم إبعاد أهل المنطقة نهائيا عن شأن منطقتهم. بالنسبة للحركة الشعبية فإن عددا مؤثرا من قياداتها من منطقة أبيي مثل دينق ألور، وإدوارد لينو، وغيرهما. ولا يوجد في الجانب الحكومي قيادي من المسيرية من منطقة أبيي. كذلك، وبينما حقل هجليج من أكبر حقول إنتاج البترول، فإن من عيوب بروتوكول تقاسم الثروة أنه وزع عائد بترول الجنوب وسكت عن بترول الشمال. فإذا كان حقل هجليج شماليا، سقط نصيب الحركة الشعبية فيه.!
لقد بح صوتنا ونحن نشير إلى أننا مع قبولنا لوساطة الإيقاد وشركاء الإيقاد نعتقد أنها وساطة غير متوازنة. افترضنا وسائل مختلفة لتحقيق ذلك التوازن لإشراك دول أخرى عربية وأفريقية وآسيوية، تحقيقا للتوازن ولكن عدم التوازن لم يعالج.
لقد أعطي الخبراء تفويضا مطلقا، وهو تفويض تجاوز به المفاوضون صلاحياتهم وتجاوز بموجبه الخبراء مهمتهم.
ينبغي أن يدرك طرفا التفاوض أن ما أعطياه من تفويض للخبراء وما أقدما عليه من تجاوز لأهل المنطقة ظلم، وأن قضية أبيي صارت مشحونة بعوامل تجعل حسمها الآن بالتراضي مستحيلا. ولذلك فعليهما:
أولا: صرف النظر عن فتوى الخبراء.
ثانيا: ترك الأمر الواقع كما هو إلى أن تجري انتخابات حرة تأتي بالممثلين الحقيقيين للمنطقة. فأهل المنطقة المنتخبون هم أولى ببحث خلافاتهم، فإن عجزوا عن الاتفاق فهم الذين يلجأون للتحكيم بواسطة هيئة محايدة بين طرفي النزاع في أبيي، لا بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية.
والى ذلك فمع كل يوم تشرق فيه شمس جديدة، يتضح أن ما اتفق عليه طرفا التفاوض ضروري، ولكنه ليس كافيا، وأنه ملزم لهما دون سواهما، وأن السلام العادل الشامل لا يحققه إلا المؤتمر الدستوري أو الملتقى الجامع، وهو وحده الذي يحسم قضايا الخلاف على حدود 1956م حسما قاطعا، لأن هذه قضايا تهم أهل السودان لا حزبا التفاوض وحدهما.
الحدودية المهمة.
بالنسبة للجولة الاخيرة حول المناطق الثلاث هناك تعقيدات في قضية ابيي، كيف ستتم معالجة هذه القضية؟
ـ هذه ليست قضية مفتعلة، وانما هي قضية قديمة اثيرت في اتفاق اديس ابابا عام 1972، وكنت موجودا في هذا الاتفاق. قضية ابيي اثيرت في تلك المحادثات وكذلك منطقة الرنك التي تقع جنوب الخرطوم، وكان النقاش اين ينتهي مركز الرنك؟ هذا ما جعلنا نضع في الاتفاق نصا يقول ان حدود الاقليم الجنوبي هي الحدود التي كانت عليها المديريات الثلاث بحر الغزال، واعالي النيل والاستوائية بالاضافة الى اي مناطق اخرى متقاربة ومجاورة بالجنوب ومرتبطة به جغرافيا او ثقافيا، وفي هذه الحالة يحسم الامر بالاستفتاء. اذن الاعتراف بهذه المشكلة قديم منذ السبعينات، وبالتالي اي حديث عن ان المشكلة مفتعلة غير سليم.
والتجربة نفسها التي مرت في عهد نميري بنزع المنطقة من ادارة كردفان ووضعها تحت اشراف الرئاسة ثم اعادتها مرة اخرى الى كردفان (شمال السودان) وما احدثته هذه الاشياء من قلاقل توضح ان المشكلة قديمة. اما الحديث عن الحدود فهي لم تعمل بمسطرة، واذا اخذنا مثل هذا الحديث يمكن ان تفتح ابوابا لمشاكل اخرى، مثلا منطقة «حفرة النحاس» (وكافكنجي) هذه في الشمال الآن، لكنها كانت جزء من بحر الغزال بجنوب البلاد عند استقلال السودان، وكذلك منطقة شالي بالنيل الازرق كانت جزءاً من اعالي النيل بجنوب السودان عند اعلان الاستقلال. هل تطالب الآن باعادتها الى اعالي النيل؟
هذه القضايا لا يجب النظر اليها بالقراءة الشكلية البحتة للمواثيق. امامنا مشكلة وهي تاريخية، ولديها جذور، وبالتالي يجب ان تعالج هذه الجذور، والعودة الى الوثائق التاريخية لم تكن ضرورية، لأن لدينا في التاريخ الحديث ما يكفي، ولكن الرجوع لهذه الوثائق يدحض اي دعاوى عن ان هذه المنطقة في الشمال، لأنها في واقع الامر ضمت لاسباب ادارية الى كردفان. وهناك كتاب صدر اخيرا لآخر مفتش مركز بريطاني خلال فترة الاستعمار يروي فيه الظروف التي نقلت فيها هذه المنطقة الى الشمال. ولكن يجب الا ننظر الى القضية نظرة قانونية او اكاديمية، لان ذات الاسباب التي قادتنا الى اديس ابابا لنتحدث عن المناطق المرتبطة بالجنوب ثقافيا ما زالت قائمة، وهذا هو الاساس الذي يمكن ان يصل فيه الطرفان الى قرار سليم.
الجانب الآخر المرتبط بموضوع ابيي يتعلق بالمراعي، وهذه قضية لا تقف عند منطقة ابيي، واذا طالبنا بأن نضع حائطاً عازلاً بين الشمال والجنوب بهذا الفهم لقضية ابيي تصبح قضية خطيرة، لأن الحدود بين الشمال والجنوب وحقوق الرعاة لا تقف عند منطقة المسيرية في المجلد وانما تمتد الى اعالي النيل وشمال بحر الغزال وجنوب دارفور، وبالتالي نحن نخلق مشاكل اكثر مما نحل مشكلة امامنا.
هناك عنصر ثالث تناولته بعض المجموعات البحثية، وهو موضوع النفط. قطعا اكتشاف النفط هو الذي حبب هذه المناطق لنفوس الطامعين في الابقاء عليها، وهذا هو السبب الحقيقي، وهي قضية يمكن ان تعالج كما تمت معالجة مناطق النفط الاخرى.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
Locations of visitors to this page