رقائق الحروف
كتابات خاصة بعيدا عن السياسة قريبا من الادب
مراجعات الجهاد والسقوط الثاني للجماعات الإسلامية في مصر

عبد الوهاب الأفندي
مما يجمع عليه غالب العقلاء، هو أن سياسات العنف التي تورّطت فيها جماعات سياسية ذات خطاب إسلامي في مصر والجزائر وغيرهما من البلدان الإسلامية، كانت من أكبر الكوارث التي ألمّت بالأمة ومن أشنع الجرائم في حقها. فقد مزّقت هذه الأحداث المجتمعات، وأخّرت تطوّرها، وجعلتها لقمة سائغة للأعداء والمتربصين. وأشد من ذلك، فإنها شوّهت صورة الإسلام وصدّت الناس عنه. فقد انبرت فئة من أنصاف المتعلمين تزعم التحدث باسم الإسلام، وتمارس باسمه الذبح المتلفز، وقتل الأطفال والنساء وكل صنوف الأبرياء، ثم تجتزئ نصوصاً مبتورة تزعم أنها تبرر ما تصنع من جرائم. وقد وجد أعداء الإسلام في هذا ذريعة لربط الإسلام بكل منكر، بالرغم من أن جوهر الإسلام هو ليس فقط تجنّب ارتكاب المنكرات، بل النهي عنها والنأي عنها. وبنفس القدر فإن الحكومات الباغية اتخذت هذه الأعمال الشائهة ذريعة لإحكام قبضتها على السلطة وتكميم أفواه المعارضين ومحاربة التيارات الإسلامية تحت ذريعة محاربة الإرهاب.
من هذا المنطلق فإن توبة بعض قيادات هذه الجماعات عن باطلها، وإن جاء متأخراً، يجب أن يكون موضع ترحيب. ولكن للأسف فإن ما حدث من قيادات هذه الجماعة لم يكن توبة صحيحة ولا رجوعاً عن الباطل إلى الحق، بل بالعكس، إننا نجد أن هذه المراجعات هي من جهة استمرار في نفس النهج الخاطئ في قراءة النصوص وفهم الواقع. ومن جهة أخرى، فإن «المراجعات» مثّلت انحطاطاً إلى درك أسفل من التعامل السياسي.
فحين هبّت هذه الجماعات لإعلان جهادها، كانت الأنظمة السياسية في بلدانها أكثر انفتاحاً وأقل ارتهاناً للأجنبي من حالها اليوم. وكان مجال العمل السياسي متاحاً بصورة أفضل. أما اليوم، فإن البلاد العربية كلها محتلة إما مباشرة أو بالواسطة، والحكومات فاقدة للشرعية، مرفوضة من الغالبية الشعبية الكاسحة. وفي هذا الوقت تأتي هذه الجماعة التي كانت تنادي باسقاط الحكومات، لتضفي عليها شرعية إسلامية كاذبة، وتفتي بوجوب طاعتها. هذا في الوقت الذي نرى فيه صعود حركة «كفاية» وغيرها من حركات النضال الديمقراطي التي تدعو إلى اسقاط هذه الحكومات بدون قيد أو شرط، بل إن هذه الحركات أفتت، كما فعلت الجماعة الإسلامية في «مراجعاتها» بمشروعية دعوة القوات الأميركية للخليج، واستمرار احتلالها لدوله، رغم أن قطاعاً واسعاً من الرأي العام العربي، بمن في ذلك خصوم الإسلاميين، يرفضون هذا المنطق.
وهكذا تحوَّلت هذه الجماعات بين عشية وضحاها من ذريعة تتذرّع بها أنظمة الاستبداد، إلى مبرر ومشرع لهذا الاستبداد! لم يكن هذا الدور السلبي المزدوج من قبل المصادفة، بل هو يعكس الخلل المنهجي الذي قامت على أساسه، وهو خلل له عدة جوانب، أولها القراءة الخاطئة المجتزأة للنصوص بعيداً عن المبادئ الحاكمة للدين. ذلك أن الدين جاء بمبادئ أخلاقية شاملة أفضل تلخيص لها جاء في آيات مثل: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي». وكل ما في الإسلام من أحكام جاء لتفصيل هذه المبادئ وتحويلها إلى واقع، فأية قراءة لأحكام الإسلام تخالف هذه المبادئ فهي باطلة مرفوضة. وقد حذَّر القرآن منها، كما جاء في الرد على المشركين الذين برروا بعض أفعالهم المنكرة باتباع أمر الله، فذكرهم القرآن بصورة قاطعة بأن الله لا يأمر بالفحشاء، وكما جاء في النكير على التطبيق الانتقائي لأحكام التوراة، حين ذكر أهله بأن هذه الانتقائية هي الكفر بعينه. ومن نفس هذا المنطلق فإن تطبيق بعض أحكام الشريعة بصورة انتقائية «مثل معاقبة السارق الفقير وترك الغني» هي الظلم، بل الكفر بعينه، كما جاء في صريح الوحي وصحيح الحديث.
وقد اتبعت هذه الجماعات منذ نشأتها هذا المنهج الاجتزائي الباطل، فوق أنها كانت تعتمد على أقوال هي بدورها اجتهادات شخصية لبعض السلف. ومن ذلك استخدامهم لمقولات التترس كحجة تبرر قتل الأبرياء، هذا مع أن تلك الأقوال، وهي اجتهادات بشرية، سعت لعلاج أوضاع تتعلق بمواجهة عسكرية بين جيشين متحاربين «وهي في ذلك ابتدار قديم لمقولة الضرر الجانبي « collateral damage» التي تستخدمها العسكرية الأميركية اليوم لتبرير ما يصيب الأبرياء من رشاش القتال». ومعروف أن ذرائع الضرر الجانبي للقوات الأميركية والإسرائيلية تجد الرفض من أكثر العقلاء وأهل الضمير. فكيف أصبح ما يعاب على الكفار أمراً ربانياً؟ ومن هنا فإن استخدام هذا المنطق «لا نسميه فقهاً، لأنه هو عكس الفقه والفهم في كل شيء» يعبر عن خطأ مركب. فهو من جهة يعامل اجتهادات بشرية عادية على أنها توجيه سماوي، في حين أنها لم تكن سوى تقديرات ومفاضلة بين ضررين بناءً على الحكم العقلي. وثانياً، تم اجتزاء هذه الأحكام البشرية من زمانها ومكانها ومناطها. فكيف تنطبق أحكام تتعلق بالحروب التقليدية التي يتواجه فيها جيشان لتطبقها على ظاهرة حرب المدن، وهي ظاهرة لم توجد في التاريخ الإسلامي ولم يتعامل معها الفقه الإسلامي التقليدي؟
ولكن الخطأ الأكبر تمثل في اجتهادات تدعو ليس فقط إلى إهمال التعامل مع الواقع، بل إسقاط العقل الذي هو مناط التكليف. وقد جاء هذا في اجتهادات عبد السلام فرج في كتابه «الفريضة الغائبة» التي ذكر فيها أن الجهاد غاية في حد ذاته، وأن ابتدار الآخرين بالقتال واجب حتى لو كانوا ألقوا السلم، ولم يبادروا المسلمين بعدوان، وحتى إن كانت فرص النجاح معدومة، لأن النتائج على الله بحسب قوله، وما على المسلمين إلا الامتثال لأمر الجهاد! ولم يقف الأمر هنا، بل إن القوم تركوا الفقه التقليدي الذي يربط وجوب الجهاد بوجود أمة إسلامية تتمتع بالاستقلال والقيادة الشرعية، وجعلوه مهمة أية مجموعة من البغاة تتصدى لذلك.
وبنفس القدر اتبعت الجماعات منهج ابن تيمية رحمه الله، الذي كان يرى أن الجهاد هو فرع من تطبيق الشريعة، وليس العكس. بمعنى آخر، فإن الجهاد هو تطبيق القانون على «الطائفة الممتنعة» أي الجهة التي تتمرد على السلطة الشرعية، فتجب محاربتها حتى تخضع لحكم القانون. «الطريف أن الأجهزة الأمنية هي التي طبقت هذا المذهب بملاحقة الجماعات الإسلامية وإخضاعها لسلطانه، وهو إخضاع بلغ مداه في أن هذه الجماعات تعترف اليوم في فقهها المقلوب بشرعية سجانيها». ولا شك أن هذا فهم خاطئ للواقع، لأن التعامل مع فئة صغيرة خارجة عن القانون، يختلف جذرياً عن التعامل مع مجتمعات لا تعترف بحاكمية الشريعة أصلاً.
والمراجعات المزعومة للحركات الجهادية كررت نفس الأخطاء المنهجية، فقامت على نفس الأحكام والتعميمات الخاطئة، وحفلت باستشهادات اجتزئت من سياقها، وبررت للأخطاء القديمة بأخطاء جديدة أفدح. وقد لخص الشيخ طه جابر العلواني هذا الخلل عندما قال: «من أفتى بجواز حمل سلاح داخل المجتمعات الإسلامية لا دليل عنده، بل الدليل ضد ما ذهب إليه، لكنه كان في السابق يستعلي على الأمة، ويحتقر علماءها ويعتبرها مجرد كم من الأميين والجهلة، له أن ينطق باسمها رغما عنها... ولما تعرض للضغوط وأدرك حر السيف، جاء ليختار الأقوال الأخف والرخص، يعني كان يقول بما اعتبره عزائم، ثم تنازل ليقول بما اعتبره رخصا، هذا لا يعد مراجعة ولا فقها ولا إدراكا لرائحة الفقه».
وبحسب فقه هذه الجماعات، فإن الأمة إما أن تقبل بالحكومات الإجرامية العاجزة الفاسدة، أو أن تعلن الحرب والجهاد عليها، وليست هناك بدائل أخرى. ولكن هناك بديل تسعى بقية طوائف المجتمع لتحقيقه، وهو بديل الحكم الصالح القائم على مسؤولية الحكومة للأمة وخضوعها لإرادتها، مع إتاحة الحرية لفئاتها للحوار السلمي حول كل القضايا، بما في ذلك الحوار حول الفهم الصحيح للإسلام والتطبيق الأمثل لأحكامه. وبدل من أن تكمل الجماعات الإسلامية توبتها بالانضمام إلى المطالبين بالحكم الراشد السليم على النهج الديمقراطي، فإنها للأسف انضمت لأعداء الديمقراطية، وتحولت إلى أداة طيعة في يد أجهزة الأمن وسلطات الطغيان، بل إن بعضهم ما يزال يفتي بأن الديمقراطية هي كفر بواح. فتحولت من الضلال إلى الضلال، كما قال اليمني لليهودي الذي أسلم على مذهب مخالف كما جاء في النكتة.
والمراجعون حاولوا الالتفاف على قضية المسؤولية التي وضعتها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أمام ابنها عبد الله بن الزبير رحمه الله، حين استشارها في قبول الاستسلام لجند الحجاج، حيث ذكرته بأنه لو كان أدرك أنه على باطل في سابق أمره فقد هلك وهلك أصحابه. وكما أشار الشيخ العلواني فإن هذا الالتفاف أخذ شكل القول بأنهم كانوا ومازالوا على الحق، ولكن موقفهم الأول كان موقف العزائم، وهذا أوان الرخص بسبب العجز وضعف الإمكانيات. وقد يحتج البعض بحسن نية القوم، استشهاداً بمقولة الإمام علي بن أبي طالب: «ليس من أراد الحق فأخطأه كمن أراد الباطل فأدركه.»
ونحن لا نشك في إخلاص وحسن نية منسوبي الجماعات الإسلامية. ولكنا بنفس القدر لا نشك في إخلاص أنصار مائير كاهانا والحاخام عوفاديا يوسف لما يؤمنون به. فإذا كان المرء يؤمن بأن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس مرسلاً وأن المسيح لم يأت بعد، ويصدق بالروايات التوراتية بأن الله- تعالى عما يقولون علواً كبيراً- أمر بني إسرائيل بالإبادة الجماعية لسكان فلسطين الأصليين، فإن إبادة وطرد الفلسطينيين تكون في عرفه تنفيذاً لحكم الله فيهم من فوق سبع سماوات. ولكن هل مثل هذا الاعتقاد يخلص صاحبه من المساءلة يوم القيامة؟
وأنصار الحركات التي تسمي نفسها جهادية، انطلقوا وينطلقون من إصدار هذه الأحكام المطلقة. والمنظر الجهادي سيد إمام نفسه كتب قبل يوم واحد من اعتقاله، بياناً يشيد فيه بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويقول إن الإرهاب من الإسلام، ومن يقول بغير ذلك فهو كافر، لأنه يخالف آية: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.» وينفي في نفس البيان براءة المدنيين ويعتبرهم هدفاً مشروعاً للعمليات العسكرية. وليست العبرة هنا فقط في إصدار الأحكام المطلقة بهذا الشكل، بل الجهل بالمصطلح القرآني. فمصطلح «إرهاب» الحديث ليس اشتقاقاً قرآنياً، بل هو لفظ مستحدث يقصد به الاستهداف الإجرامي للأبرياء، بينما الترجمة الأصح لإرهاب العدو المقصود في القرآن هو الردع. فانظر كيف يتقول القوم على الله تعالى جهلاً حتى بأبجديات اللغة..!!
وكما ذكرنا فإن ارتكاسة هؤلاء الجهاديين المزعومين، وتحولهم من العنف العشوائي الأعمى والتأله على الناس والولوغ في دم الأبرياء، وتشويه سمعة الإسلام، إلى التقرب إلى الطغاة وتزيين باطلهم وإعطائهم المشروعية الكاذبة، وعدم تورعهم عن خيانة الأمانة في فضح ما اؤتمنوا عليه من أسرار إخوانهم حتى يبرئوا ساحتهم- وما هي ببريئة- ليس من قبيل المصادفة. فقد كانوا في الضلالة وما يزالون في طغيانهم يعمهون. والتوبة الصادقة لهؤلاء تكون بداية بالاعتراف بخطأ مناهجهم، وإدانة أنفسهم، والاعتراف بأن الله تعالى لا يأمر بالبغي والعدوان، ولا بتعطيل العقل. ثم يجب عليهم بعد ذلك الصمت واعتزال الناس والبكاء على ذنوبهم، لا التصدي للفتيا وهم في حجر أجهزة الأمن الباغية وقبضتها، فهم ليسوا أهلاً لذلك اليوم، كما لم يكونوا في السابق. وعسى الله إن فعلوا أن يتوب عليهم إنه بر رؤوف رحيم.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية