الدين وعلم النفس الغربي[1]
الدين والتحليل النفسي
لقد أثر عن “فرويد” قوله: “…إن التحليل النفسي يمثل المرحلة الأخيرة من الثورة العلمية التي مازالت تعري للبشرية هذاءاتها المتمثلة في الدين.”[1] بل لقد عدّ “فرويد” الدين بمثابة اضطراب الوسواس القهري الذي أصاب البشرية جمعاء[2] ، وقرر بأن الطقوس والشعائر التعبدية ما هي إلا صورة للأعراض العصابية لهذا الاضطراب النفسي العام [3].
وفي تفسيره لنشأة الدين لدى الأفراد يقول “فرويد”: “إن هذه الاعتقادات التي تعرض في الدروس الدينية لا تنبع من الخبرات البشرية المتراكمة ، وليست هي نتاج للتفكير المستقيم إنما هي نوع من الهذاءات ؛ بل هي إشباع لأقدم وأقوى وأشد رغبات الجنس البشري إلحاحا...إن الإحساس بالتهديد والخوف والشعور بعدم الأمان لدى طفل لا يقدر على مواجهة ظروف الحياة أيقظ لديــــه الحاجة إلى الحماية والحب في الوقت نفسه، وهو الأمر الذي يتولاه الأب عادة … ثم إن عجز الإنسان البدائي على مواجهة قوى الطبيعة وقلة حيلتة جعلته في حاجة إلى حماية دائمة من هذه الأخطار التي تتهدد حياته فتعلق “بأب” أكبر في هذه المرة، إنه الله- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-…لقد وجدت مشاعر القلق التي تنتاب الإنسان أمام عجزه على مواجهة أخطار الحياة هذه حلها في الدين في ظل الحماية الإلهية والتعاليم السماوية التي سنت القوانين الأخلاقية التي تنتظم العالم وتلبي حاجة الإنسان إلى العدل الأخروي الذي قلما تحقق في عالم الناس،
وما يتبع ذلك من الإيمان بالحساب والإيمان بحياة أخرى هي في الحقيقة امتداد لحياة قلما استطاع الإنسان أن يشبع فيها كل رغباته.[4]
لقد استخف “فرويد” علنا بالدين والبعث ففي مقابلة صحفية نشرت له في عام 1927م أعلن “فرويد” عدم إيمانه بالبعث وبالعقائد الدينية. وعلى إثر نشر هذه المقابلة كتب له أحد الأطباء الأمريكيين الشبان خطابا لامه فيه على عدم إيمانه هذا، وسرد له في خطابه قصة مؤثرة عن كيفية رجوعه للإيمان بعد شك في وجود الله جاء نتيجة لتأثره بوفاة مريضة عجوز بريئة ملامح الوجه ؛ كما ذكر هذا الطبيب الشاب في خطابه لفرويد أنه بعد شكه في الله دخل في أزمة نفسية انتهت بسماع صوت من داخل نفسه مازال يحثه على الرجوع لإيمانه حتى رجع له يقينه بوجود الله. فرد عليه “فرويد” بقوله: “…إن الله لم يسمعني صوتا داخليا كالذي أسمعك إياه… وإذا تباطأ الله في هذا الأمر رغم علمه بكبر سني، فإنه سوف لا يكون الخطأ خطئي لو بقيت إلى نهاية حياتي على اعتقادي الحالي.. يهوديا كافرا..ثم يمضي بعد ذلك لتحليل خطاب الطبيب نفسيا وينشر ذلك كله في مقال بعنوان : A religious Experience ؛ فيهوي بأحاسيس الرجل الإنسانية التي تجلت في ألمه لرؤية وجه السيدة الوقورة الميتة..ألما هز كيانه وإيمانه بنفسه ومعتقداته، يهوي به إلى حضيض التفسير الجنسي والعقدة الأوديبية بأسلوب متهافت ومنطق غريب. يقول “فرويد” في هذا المقال: “…إن رؤية جسد المرأة الميتة الذي ربما كان عاريا أو كان في طريقه لأن يتعرى من الملابس!!! قد ذكَّر هذا الشاب الطبيب بأمه (لا شعوريا) وقد أثارت فيه هذه الذكرى شوقا لوالدته نبع من عقدته الأوديبية. وهذا الشعور سرعان ما أثار فيه البغض والغضب على والده. وبمــا أن أفكاره عن والده وعن الله لم تنفصل بعد بما فيه الكفاية فإن رغبته في تحطيم والده على المستوى اللاشعوري قد ظهر شعوريا في شكل شكه في وجود الله!!! وإنه لمن المعلوم لدينا أن الطفل يعتبر ما يفعل والده لأمــه في صلته الجنسية بها نوعا من سوء المعاملة والقسوة!! [5]
وهكذا يعتبر “فرويد” أن الصورة التي يكونها الفرد البالغ عن الله ما هي الا انطباع لتلك الصورة التي يكونها الطفل عن أبيه في بدايات حياته في طور الطفولة يقول “فرويد” : “لقد وقفنا من خلال التحليل النفسي على هذا الرباط الوثيق بين عقدة الوالدية Complexe Parental - عقدة أوديب - وبين نشوة الإيمان بالله لدى الأفراد بما لا يدع مجالا للشك في أن الإله ما هو إلا صورة بديلة عن الأب Pere transfigure…
إنه الصورة المكبرة عن تلك التي يكونها الطفل عن أبيه في طفولته كمصدر للحب والحماية والرعاية …فالتدين وثيق الصلة بالحاجة الدائمة للإنسان “الطفل” للحماية والمساعدة.[6]
لقد استهدف “فرويد” الوازع الديني والقيم الإنسانية والمثل العليا التي تدعو للحشمة والعفة وأطلق عنان الغرائز الجنسية وهبط في تفسيره لسلوك الإنسان إلى حضيض الوحل الجنسي مستخدما في ذلك ما يسميه بمكانيزمات الدفاع مثل التكوين العكسي : Reaction Formation والتساميSublimation .
ولنا أن نتساءل عن القصد الذي كان يرمي إليه “فرويد” من خلال عرضه لوجهة نظره عن الدين وعن السلوك البشري بصفة عامة في نظرية محكمة الدقة خلط فيها بين بعض الحقائق الراسخة وكثير من الآراء التي لا تستند إلي تجربة أو نهج علمي قويم ؛ الأمر الذي حدا ببعض العلماء أمثالCoiffi بأن يتهموه بأنه - وقد أكمل تدريبه في العلوم الطبيعية وأتقن جميع الأساليب التجريبية في الوصول إلى الحقائق العلمية - قد قام وربما بطريقة مقصودة ماكرة بصياغة نظرياته بطريقة لا تخضع معها للفحص والتجريب.[7]
على الرغم من أن “فرويد” عندما نشر كتابه : <<مستقبل وهم >> [8] ، قرر بكل وضوح في رسالة بعث بها إلى صديقه ومراسله القديم، الرفوند أوسكار بفستر Rev. Oskar pfister ما يلي: “ليكن من الواضح أن الآراء التي أوردتها في كتابي هذا لا يمكن اعتبارها جزءا من
نظرية التحليل النفسي وإنما هي آرائي الخاصة التي تتوافق مع عدد من المحللين غير أن عددا آخر كبيرا من خيرة المحللين لا يشاطرونني هذه الآراء” [9]
وعلى الرغم من أن “بول فيتس” Paul Vitz، أحد كتاب سيرة “فرويد” قد أشار إلى أن: هذه كانت رسالة “فرويد” الشخصية إلي بفيستر، إلا أن الانطباع العام الذي يعطيه كتاب: <<مستقبل وهم>>، كما هو معروف، هو أن التحليل النفسي يعضد، بشكل أو بآخر، الطرح الإلحادي [10]
لقد أعلن “فرويد” على الملأ إلحاده ووصف نفسه لـ “بفستر” بأنه مكتشف التحليل النفسي وبأنه يهودي خالص الإلحاد.[11]
ولكن هل أن “فرويد” بتقريره لوجهة نظره الشخصية بأن الدين هو نوع من الهذاء المرضي يقوم بعملية تقويم عقلي ومناقشة عقلية للدين؟
الجواب بالنفي كما يشير إلى ذلك “فيتس” فقد قرر “فرويد” في كتــابه : <<مستقبل وهم>>: .أن تقويم صدق النظريات الدينية يقع خارج نطاق بحثه واكتفى بعرض رأيه الشخصي حول ما كان يعتقده بشأن الدوافع والرغبات الكامنة خلف المعتقدات الدينية .[12]
فهل من الممكن القول بأن “فرويد” كان يعاني من نزاع داخلي لم يتمكن من حسمه ناجم عن اهتمامه القديم بالدين ثم قام باستبداله بالإلحاد عن قناعة شخصية؟
هنس كونج Hans Kung في مراجعته لكتاب: “فرويد ومشكلة الدين” يشير إلى احتمال وجود هذا النزاع غير المحسوم لدى “فرويد” يتعلق بقضايا من ماضيه الديني “ لقد جاء في كتابات “فرويد” أن قراءته للإنجيل كان لها تأثير بالغ فيه أيام شبابه فعبر عن ذلك بقوله: “إن استغراقي العميق في قصة الإنجيل (منذ بداياتي في تعاطي القراءة تقريبا) كان له أثر بالغ في تشكيل اهتـماماتي بعد ذلك؛ وهو أمر تفطنت إليه في مرحلة لاحقه في حياتي” .[13]
وبالإضافة إلى ذلك، كما يشير كونج، فقد كان أحد أبرز أصدقاء، “فرويد” الأوائل هو البروفيسور “هامرشلاغ” Hammerschlag الذي علّمه اللغة العبرية وتاريخ الإنجيل.
لقد كان “فرويد” طوال سنين رجولته كثيرا ما يجاهر بإلحاده إلا أنه لم يناقش في أي من كتاباته المطولة عن سيرته الشخصية كيف انتقل من الإيمان إلى الإلحاد - وهو أمر غريب- كما قرر ذلك “كونج” فإن “فرويد” الذي أورد في كتاباته أدق تفاصيل حياته، لم يورد ولا كلمة واحدة عن عملية تحوله من الإيمان إلى الإلحاد.
ويمضي “ كونج” في ملاحظاته قائلا: “إن “فرويد” مثل أستاذه بروك Brucke كان ينظر إلى العلوم الطبيعية على أنها المخلص الوحيد للبشرية من جميع عللها وأدوائها وهكذا تم تحويل إحدى وسائل المعرفة والبحث (العلوم) إلى نظرة شاملة للحياة وإلى “معتقد” يعتقده الناس.[14]
لكن لنا أن نتساءل عن الديناميكية العاطفية التي حدت بـ “فرويد” للتحول من حالة الإيمان إلى انتهاج نظرة الإلحادية؟
ما لم تتوفر معلومات دقيقة عن تفاصيل عملية التحول هذه فبإمكاننا افتراض أن تجربة “فرويد” الشخصية قد صبغت نظريته إلى التدين وحالت بينه وبين الفهم الحقيقي لدوافع الالتزام بالدين لدى الآخرين.
تقول الدكتورة: “ آنا مريا ريتسوتو” Ana-Maria Rizzuto الباحثة والمحللة النفسية في هذا الصدد: “لقد نقلت عن “فرويد” نظريته إلى الدين أكثر من مرة دون وضعها تحت مجهر النقد… إن المحلل النفسي إذا لم يساعده تحليله النفسي لتجاربه الشخصية في حسم مسألة معتقداته الدينية فإن هنالك احتمال قوي بوجود ظاهرة التحويل العكسي” [15]
سؤال آخر يمكن طرحه وهو: هل توصل “فرويد” إلى قناعاته الإلحادية من خلال ملاحظته لمرضاه النفسيين؟
يلاحظ “فيتس” : أن “فرويد” لم يتعامل، في أي من الحالات التي تم نشرها، مع أي حالة كان فيها المريض حاملا للمعتقدات المسيحية أو اليهودية. وكان أغلب مرضاه من اليهود غير المتدينين من الطبقات الاجتماعية الثرية والمثقفة. ولم يعثر، “فيتس” من خلال مراجعته لأعمال “فرويد” على حالة واحدة يدل فيها تاريخ أحد مرضى “فرويد” غير المتدينين على أنه كان يحمل رغبات طفولية كامنة وراء معتقداته الدينية أو ممارساته الدينية في طور رجولته[16] ؛ الأمر الذي حدا بـ Bakan إلى اتهام “فرويد” بأنه لم يستنبط نظرياته التحليلية النفسية من علاج مرضاه وتحليل أحلامهم ودراسة أقوالهم الحرة كما يدعي، بل إنه قد صاغ نظرياته، وربما بطريقة مقصودة، من دراساته التقليدية اليهودية.[17]
ينقل لنا الدكتور مالك بدري في مذكرته عن التحليل النفسي والديني ما يؤكد هذا الاتهام من آخر كتاب نشره “فرويد” بعنوان : << موسى وعقيدة التوحيد>> . يقول د. مالك بدري: “…نجده ( أي فرويد) يفسر اضطهاد اليهود ويدافع عن قضيتهم بكل ما أوتى من قدرة تحليلية. فيقول ( أي “فرويد”) :… إن اضطهاد اليهود يمكن إرجاع أسبابه لإحساسات لا شعورية في نفوس من يضطهدونهم بأنهم، أي اليهود، في حقيقة الأمر هم شعب الله المختار وأبناؤه المصطفين. وبما أن الله يمثل بالنسبة لهم صورة الأب، فقد أرجع “فرويد” سبب هذا الاضطهاد للمنافسة والغيرة بين الأشقاء على مستوى الشعوب.
ثم يمضي ليقول بأنه في تاريخ اضطهاد اليهود الطويل تجنبهم الناس لاعتقادهم بأن اليهود أسهل إصابة من غيرهم بمرض الجذام. فخاف الناس من الاتصال بهم وعاملوهم بازدراء. وهذا الإحساس في حقيقة الأمر عبارة عن إزاحة Displacement أحاسيس لا شعورية من جانب الناس؛ فاليهود بابتعادهم المقصود عن الناس كأنما اعتبروا الناس هم المجذومين. فحدث في نفوس الناس نوع من “القلب” و “الإسقاط” ؛ أي أنهم أسقطوا ما اتهمهم به اليهود على اليهود أنفسهم. وبهذه الحيلة اللاشعورية أصبح اليهود هم المتهمين بالجذام!! [18]
عودة علم ا لنفس للدين
“لو قال شخص أروبي قبل أربعين أو حتى عشرين سنة أن علم النفس العلاجي والدين سيلتقيان، ولو في بعض مفاهيمهما لعده الناس مجنونا، لا من قبل رجال الدين فحسب بل من قبل أخصائي علم النفس أيضا، فبالنسبة لرجال الدين كانت النظرة إلي علم النفس بصفة عامة والتحليل النفسي الفرويدي بصفة خاصة، نظرة يعلوها الحقد والغيظ والتشكك ؛ فدراسة السلوك البشري التجريبي إن هو إلا انحدار بالقيمة الإنسانية إلي مصاف القرود والفئران، أما “فرويد” فما هو إلا يهودي قد أملى عليه كرهه للدين المسيحي أن يطلق الجنس من عقاله عاصفة هوجاء تدمر كل القيم الدينية والأفكار الإنسانية النبيلة. وأما بالنسبة لمتعصبي التحليل النفسي الأول فالدين المسيحي هو مجموعة من التعاليم المتزمتة التي ما فتئت تضخم من قوى الذات العليا للإنسان وتكبت كل تعبير جنسي وعدواني للذات الدنيا ؛ فالدين هو المسؤول الأول عن انتشار الاضطرابات النفسية الناشئة من كبت وكظم هذه الدوافع الجنسية والعدوانية الطبيعية في الإنسان.
هكذا كانت الحرب النفسية بين الدين المسيحي وعلم النفس التحليلي والعلاجي أما الآن فيبدو أن هذه الحرب قد وضعت أوزارها أو كادت .فقد تراجع علم النفس والتحليل النفسي كثيرا عن مواقفهما السابقة”.[19]
فهذا الدكتور “مورتمر أوستو” Mortimer Ostow وهو محلل نفسي بجامعة مانهاتن قد أحيل مؤخرا على التقاعد من كلية الدراسات الدينية اليهودية يقول: “ …على الرغم من موقف “فرويد” المتشدد من الدين فإن المحللين النفسيين بصدد اتخاذ موقف أكثر مرونة من الدين. ويضيف قائلا: “عندما كنت طالبا أتلقى تدريبي في التحليل النفسي، كان الاتجاه هو أن المريض إذا ما أثار موضوع الدين فإنك إما أن تتجاهله أو أن تبين له بأنه يعاني من اضطراب عصبي، إلا أن الدين لا يعني بالضرورة المعاناة من اضطرابات عصبية بل قد يكون عاملا مساعدا للناس على أن يتعايشوا مع واقع يتسم بالقسوة والشدة.[20]
ويقول د. “لارسن” Larson, D.B. : عندما يتم دراسة الالتزام الديني باستعمال مقاييس مصممة لقياس عمق تدين الشخص ، مقاييس مثل : تردد الحضور على الكنيسة، تردد القيــام بالصــلاة، أو قراءة النصوص الدينية، أو تلك التي تتصل بعلاقة الفرد بالله فإن الالتزام الديني عاده ما يرتبط بعدد من المنافع في مجال الطب النفسي السريري.[21]
وهكذا فإنه في حين أن “فرويد” استبعد الدين من مجال العلاج النفسي وعده نوعا من العصاب فإن النتائج القيمة التي بدأت تظهر على السطح في ميدان علم النفس تشير إلى أن بعض أنواع التجربة الدينية على الأقل هو ذو نفع للصحة النفسية، وكانت النتيجة أن عددا من علماء النفس- يزداد باطراد - بدءوا يسجلون حضورا لعامل الدين على الأقل في معطياتهم وبياناتهم إن لم نقل في حياتهم الشخصية، وما كان في يوم من الأيام موضوعا نشازا في حقل علم النفس شهد اليوم مولده من جديد كموضوع يحظى باحترام وتركيز البحث العلمي.[22]
ويحشد لنا البروفيسر مالك بدري في مذكرته القيمة حول التوجيه الإسلامي لعلم النفس عددا من الدراسات التجريبية التي أجبرت علماء النفس في عصرنا الحالي على الاعتراف بالدين كأحد أهم المقومات لتأمين الصحة النفسية لدى الأفراد يختمها بتعليقين:
أولهما: ينقله عن عالم النفس السلوكي (د. أيزنك ) يقول فيه: ما لم تكن هناك مؤامرة عظيمة لتضليل الناس اشتركت فيها أكثر من ثلاثين جامعة عريقة تدرس علم النفس في شتى أنحاء الكرة الأرضية وساهمت بمئات من أشهر علمائها في حقل علم النفس التجريبي وغيره من الفروع، وبعض هؤلاء العلماء من المتحاملين ضد فكرة وجود الاتصال فوق الحاسي، …يقول أيزنك: ما لم تكن هناك مؤامرة ضخمة من هذا النوع فإن الاستنتاج الآخر الوحيد هو أنه يجب الاعتراف بوجود ما يسمى بـ التليباثي أو الاتصال فوق الحاسى.
وثاني التعليقين: يقول فيه البروفيسر مالك بدري معقبا على نتائج هذه الدراسات التجريبية : “ليس هذا بالطبع انتصار مباشر لدين بعينه، ولكنه انتصار للفكرة القائلة بأن للإنسان قوى مجهولة تجعل السلوك الإنساني أكثر تعقيدا مما يفترضه علماء النفس، أو أن هناك قوى غير مرئية تقوم بالتدخل في نقل الأفكار والمشاعر الإنسانية بين الناس عبر حدود المكان والزمان. والإيمان بهذين الرأيين أو بأحدهما هو من غير شك انتصار علمي لأحد أركان الدين العامة الهامة، ألا وهو الإيمان
بوجود المخلوقات الروحانية كالملائكة والجن، والإيمان بأن الإنسان قد شرف بنفخة الروح الإلهية التي استأثر الله سبحانه وتعالى بمعرفتها.[23]
قلة الدراسات النفسية عن التدين
ليس هناك حاجة لحشد عدد أكبر من الأدلة على عودة علماء النفس إلى الدين واعتباره أحد المكونات الأساسية في حياة الفرد النفسية في الصحة والمرض، إلا أن هذا العود الحميد وهذا الميلاد الجديد للدراسات النفسية حول أثر التدين في حياة الأفراد الصحية لا يزال في بداياته الأولى؛ يشهد لذلك قلة الدراسات النفسية في هذا المجال حتى أن بعض علماء النفس يطلقون على متغير التدين اسم : العامل المنسي Forgotten Factor -- لكثرة إغفاله في الدراسات النفسية.[24]
ففي مجال الطب النفسي مثلا قام فريق من الباحثين بتحليل منظم لمضمون البحوث المنشورة في أربع من أشهر مجلات الطب النفسي وهي: المجلة الأمريكية للطب النفسي، المجلة البريطانية للطب النفسي، المجلة الكندية للطب النفسي، وأرشيف الطب النفسي العام؛ وذلك خلال الفترة من 1978 -1982 . وقد حدد فريق البحث هذا هدفا محددا لنفسه تمثل في دراسة متغير التدين بطريقة كمية مستندا في ذلك إلى عدد مرات تردد الفرد على الكنيسة.
وقد أظهرت نتائج التحليل أن 2,5% فقط من مجموع الدراسات التي نشرت في هذه الدوريات خلال الفترة المذكورة تناولت موضوع التدين بالدراسة، بل إن قياس التدين كان الموضوع الرئيس في ثلاث دراسات فقط من بين (2.348) دراسة نشرت في هذه الدوريات.[25]
ولم يكن الأمر أحسن حالا بالنسبة لمجالي: الطب الأسري ومجال علم الاجتماع حيث أشارت الدراسات إلى نسب مشابهة جدا لتلك التي تم الحصول عليها في مجال الطب النفسي.
لقد ذكر “كريجي وآخرون” Craigie , F.C, et all (1988) أن 3.5% فقط من الدراسات التي نشرت في مجلة الطب الأسرى خـلال الفترة من (1976 -1986) تنـاولت متغير التدين بالدراســــة، مسجلة بذلك، زيادة تقدر بـ 1% مقارنة بنسبة الدراسات التي تمت في مجال الطب النفسي.[26]
كما ذكر Buehler et All (1973) أن 3,4% فقط من الدراسات التي تم نشرها في أربعة من أشهر دوريات علم الاجتماع في أمريكا خلال 80 سنة من 1890 إلى 1969 تناولت متغير التدين بالدراسة.[27]
مشكلة قياس متغير التدين
يكتنف موضوع قياس متغير التدين بعض الغموض، ذلك أن التدين يتضمن جوانب مختلفة بعضها اعتقادي قلبي يستند إلى جانب معرفي موحى به في الغالب، وبعضها وجداني شعوري، وبعضها سلوكي ظاهري يتخذ أحيانا أشكالا فردية وأخرى اجتماعية للتعبير عن الدين.
لقـد اضطربت الدراسـات النفسية حول الطريقة المثلى لقيـاس متغير التدين ، فقد أشار Harrison et All (1984) إلى أن أغلب الدراسات النفسية تناولت موضوع التدين بطريقة غير فعالة حيث ركزت اهتمامها بالجوانب الديمغرافية أي انتماء الفرد إلى طائفة دينية معينة بدل التركيز على الالتزام الديني للفرد ويزداد الأمر خطورة إذا علمنا أن مضمون الالتزام الديني قد يختلف من طائفة دينية إلى أخرى.[28]
وقد تنبه إلى هذا الأمر أيضا Greely (1963) حين أشار إلى أن دراسة متغير التدين باعتبار انتماء الفرد إلى طائفة دينية معينة إنما يقيس الخلفية الاجتماعية أو الدينية للفرد لا الحالة الدينية الراهنة أو الالتزام الفعلي بالدين.[29]
كذلك أشار Larson et All (1986) في دراسته السابقة إلى أن 37 من (59) دراسة تناولت التدين بالدراسة قد اعتمدت في قياسها للتدين على مجرد انتماء الفرد إلى طائفة دينية معينة بينما اعتمدت (17) دراســة على قياس الـحـالـة الدينية الراهنة للفرد، واعتمدت خمس دراســــات على الطريقتين معا في قياس متغير التدين.
أما من جهة عدد البنود المستخدمة في قياس التدين فقد تكونت 83% من مقاييس التدين المستخدمة في الدراسات المذكورة من بند واحد فقط ؛ بينما تكونت 14% من المقاييس من بندين فقط، وتكونت 3% من مقاييس التدين من ثلاثة بنود أو أكثر ، ولم تتناول قياس التدين في أبعاده المتعددة سوى دراسة واحدة فقط.
ونخلص من هذه الدراسات إلى أن متغير التدين لم يحظ إلا بالنزر القليل جدا من الجهد والدراسة ، وأنه حتى في الحالات القليلة التي تمت فيها دراسة متغير التدين كان المعول في ذلك على تصنيف الناس إلى متدينين أو غير متدينين، وعلى انتمائهم إلى طوائف دينية مختلفة وليس على أساس التزامهم الفعلي بالدين، وحتى في الدراسات التي تم فيها التركيز على قياس التدين في ضوء التزام الفرد الفعلي بالدين كانت المقاييس المستخدمة في الغالب أحادية البعد Unidimensional أو ثنائية البعدBipolar Dimentional ، ونادرا ما استخدمت مقاييس متعددة الأبعاد Multidimensional لقياس التدين، مع ان متغير التدين يعد من التعقيد بمكان بحيث ينبغي التنبه إلى ضرورة قياسه في أبعاده المختلفة: المعرفي، والوجداني، والسلوكي …إلخ.
أثر التدين في الصحة النفسية
على الرغم من أن أغلب أدبيات الطب النفسي السريري وعلم النفس - خلال نهايات القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين تقريبا- كانت تعد الدين المسؤول الأول عن ظهور الأعراض النفسية والعصبية لدى المرضى النفسيين، بل لقد اعتبر “فرويد” الدين بمثابة اضطراب الوسواس القهري الذي أصاب البشرية جمعاء، وفسر الاعتقادات الدينية بأنها لا تنبع من التجارب المتراكمة للبشرية، وليست هي نتاج للتفكير المستقيم، إنما هي نوع من الهذاءات، بل هي إشباع لأقدم وأقوى وأشد رغبات الجنس البشري إلحاحا، وتكمن قوة النزوع الديني في قوة هذه الرغبات والحاجة الملحة لإشباعها . وقد شايعه في ذلك “البرت اليس” Albert Ellis حين اعتبر التدين وجها من وجوه التفكير الامنطقي أو الاضطراب الانفعالي، وأن البلسم الشافي من الاضطرابات الانفـعالية هو ألاّ يكون الفرد متدينـا ، وأنه كلـما كان النـاس أقل تدينـا كلـما كـانوا أكثر سواء من الناحية الانفعالية”.[30]
على الرغم من ذلك فقد بدأت تظهر في كتابات علماء النفس المحدثين أراء تفيد بأن الدين يمكن أن يكون مفيدا للصحة النفسية للأفراد، “وأن الدين لا يعني بالضرورة المعاناة من اضطرابات عصبية بل قد يكون عاملا مساعدا للناس على أن يتعايشوا مع واقع يتسم بالقسوة والشدة” [31] و“أن الالتزام الديني يمكن أن يرتبط بعدد من المنافع في مجال الطب النفسي السريري” [32] ، و “ أن بعض أنواع التجربة الدينية على الأقل هو ذو نفع للصحة النفسية” [33] ، و “أن استبعاد الله-الدين- من حقل العلاج النفسي هو ضرب من التقصير المهني المضر، و أن الروحانية نشوة عجيبة وسعادة لا يجب بأي حال من الأحوال إهمالها داخل خزانة مغلقة في العيادة النفسية” [34] ، وأصبحنــا نسمع عن معالجين نفسيين يستخدمون الصلاة والأدعية الدينية في علاج المرضى النفسيين، يسجلون نتائج ملموسة في هذا المضمار”[35]
ولعله من المفيد هنا، ذكر بعض الدراسات الحديثة التي تؤكد ما ذهب إليه الباحث في تأكيد تأثير التدين في الصحة النفسية؛ فقد قام فريق من الباحثين Larson et All (1991) بمسح منظم لمضامين الدراسات المنشورة في دوريتين من أشهر دوريات الطب النفسي هما: المجلة الأمريكية للطب النفسي وأرشيف الطب النفسي العام ، خلال 12 سنة من 1978 إلى 1989، وقد تم، لهذا الغرض، تصنيف الدراسات التي تناولت موضوع التدين بالدراسة على النحو التالي:
* دراسات تتصل بالمراسم الدينية وأداء الشعائر الدينية.
* دراسات تتصل بالصلوات والابتهالات .
* دراسات تتصل بالتماسك الاجتماعي على أسس دينية.
* دراسات تتصل بعلاقة الإنسان بربه.
* دراسات تتصل بالقيم والأهداف والعقائد والأخلاق.
* دراسات أخرى تتصل بقياس التدين من غير تحديد دقيق.
كما تم تصنيف كل فئة من هذه الفــئات بحسب ارتباطــها بالصحة النفسية إيجابـا أوسلــبا أو حيادا ؛ وقد أظهرت النتائج:
* أن متغير التدين قد ارتبط إيجابيا بالصحة النفسية في 72% من الدراسات التي تم مسحها.
* أن متغير التدين قد ارتبط سلبيا بالصحة النفسية في 16% من الدراسات المذكورة.
*· أنه لم توجد علاقة ارتباطية دالة بين متغير التدين والصحة النفسية في 12% من الدراسات التي تم مسحها.[36]
ولقد ذكر Craigie et All (1990) نتائج مشابهة بعد استعراضه للدراسات التي تناولت العلاقة بين التدين والصحة النفسية ونشرت في مجلة الطب الأسري خلال عشر سنوات من 1976 إلى 1986؛ حيث أشار إلى وجود علاقة ارتباطية موجبة بين متغير التدين والصحة النفسية في 75% من الدراسات التي تم مسحها.[37]
كانت هذه بعض الدلالات على الأثر الإيجابي للتدين على الصحة النفسية بصفة عامة؛ فما هي أكثر المجالات تأثرا بالتدين؟
التدين والانتحار
أظهرت دراسة Comstock et All (1972) أن عدد المنتحرين من غير المترددين عن الكنيسة تضاعف أربع مرات مقارنة بعدد المنتحرين من الأفراد الذين يترددون على الكنيسة.[38]
كذلك أظهرت دراسات كل من Minear & Brush (1980) أن الأفراد المتدينين يظهرون ميلا أقل إلى الانتحار [39]
وأكدت هذه النتائج دراسات كل من Bascue et All (1982) , Hoetler (1979) , Stilton et All (1984) التي أشارت إلى أن الأفراد الأكثر تدينا يبدون اتجاها أقل نحو السلوك الانتحاري.[40]
وفي تحليله للعلاقة بين التدين والسلوك الانتحاري والدور الذي يمكن أن يلعبه الدين في التقليل من ظاهرت الانتحار أشار Stack (1983) في دراسته إلى أن احترام الذات المنخفض يكون غالبا العامل المميز للدافعية للانتحار، بينما يكون احترام الذات المرتفع أحد الخصائص المميزة لشخصية المتدين؛ الأمر الذي يحميه من التفكير في الانتحار؛ وهو أمر يكتسبه المتدين من خلال علاقته بالله..، يضاف إلى ذلك الدور الذي تلعبه المعتقدات الدينية في الحد من الانتحار مثل: الصراع بين الخير والشر ومقاومة ألاعيب الشيطان وأحابيله، الإيمان باليوم الآخر والحساب والجزاء والعدل الإلهي المطلق. [41]
التدين والإدمان على المخدرات
أظهرت كثير من الدراسات وجود علاقة سلبية بين التدين وتعاطي المخدرات؛ فلقد أشار كل من Gorsuch & Bulter (1976) بعد استعراضهما لعشرين دراسة حول الموضوع نفسه إلى أن التدين يقي الأفراد من الوقوع في المخدرات ، وأنه يمكن التنبوء بعدم تعاطي المخدرات من خلال قياس تدين الأفراد بقطع النظر عما إذا كان القياس قائما على أساس البعد السلوكي أو المعرفي أو الوجداني للتدين.[42]
كذلك أشار كل من Adalf & smart (1985) , Avtar (1979) , Davids (1982) , Jessor et All (1973) إلى أن تعاطي المخدرات يرتبط مع غياب أثر التدين في حياة الفرد. [43]
وبعد دراسة عينة مكونة من أكثر من (14000) من الشباب توصل Loch & Hughes (1985) إلى أن أقل نسبة مئوية لمتعاطي المخدرات وجدت لدى المجموعات المتدينة وأن أعلى نسبة مئوية من متعاطي المخدرات وجدت لدى المجموعات اللادينية، ولقد أظهرت الدراسة أيضا وجود ارتباطات سلبية بين ستة مقاييس للتدين وثمانية مقاييس لتعاطي المخدرات تم استخدامها في البحث.[44]
التدين والإدمان على الخمور
أشار كل من Larson & Wilson (1980) , Walters (1957) إلى أن الأفراد الذين يتعاطون الخمور نادرا ما يكون لديهم التزام بالدين، واستنتجوا من ذلك أن التدين يمكن أن يقي صاحبه من الوقوع في الإدمان على الخمور.[45]
وقد أكد هذه النتائج كل من Argyle & Beit-Hallahmi (1975) حيث وجدا علاقة سلبية بين شرب الخمر والتدين من خلال استعراضهما لأربع دراسات حول الموضوع نفسه.[46]
وعموما فقد أشارت العديد من الدراسات إلى وجود علاقة سلبية بين التدين وبين شرب الخمر، وأنه كلما كان الشخص أكثر تدينا كلما كان أقل استهلاكا للخمر وكلما كان أقل عرضة للإدمان على الخمور. وقد نقل Gartner et All (1991) ذلك عن كل من:
Burkett & white (1974) , Coomds et All (1985) , Globetti & Windham (1967) ,
Burkett (1977) , Gottlieb & green (1984) , Hasin et All (1985) .[47]
كما أفادت بعض الدراسات أيضا أن الدين يمكن أن يساعد المدمنين على الخمور في الإقلاع عن شرب الخمر حتى بعد الإدمان عليه ولقد كان لجمعية المدمنين المجهولين Alcoholics Anonymous (A.A) جهود كبيرة في هذا الإطار تؤكد الدور الذي يمكن أن يلعبه الدين في مساعدة المدمنين على الخمور.[48]
التدين وانحراف الأحداث
أشارت العديد من الدراسات إلى أن التدين يمكن أن يحمي الأحداث من الانحراف فقد عرض Gartner et All (1991) سبع دراسات كلها توصلت إلى وجود علاقة سلبية بين التدين وانحراف الأحداث. ولقد ميز Gartner et All (1991) بين أثر السلوك الديني Religious Behavior والاتجاه الديني Religious Attitude على انحراف الأحداث حيث أظهرت الدراسة أن الالتزام الفعلي بالدين )السلوك الديني) استطاع أن يميز بين المنحرفين وغير المنحرفين من الأحداث ، بينما لم يستطع الاتجاه الديني أن يميز بينهما.[49]
كذلك توصل Argyle & Beit-Hallahmi (1975) من خلال استعراضهما لست دراسات إلى نتائج مشابهة عندما أشارا إلى وجود علاقة سلبية بين التردد على الكنيسة وانحراف الأحداث.[50]
التدين والضغوط النفسية
ولمعرفة الدور الذي يمكن أن يلعبه تدين الفرد في التفريج عما يحل به من هموم وأحزان وكرب نفسي ومن التخفيف من حدة الضغوط النفسية إلى تلم به قام العلماء بإجراء بعض الدراسات ونجد من بين هذه الدراسات ما يلي :
دراسة Williams et All (1991) وقد أظهرت نتائج هذه الدراسة أن الأفراد الأكثر ترددا على الكنيسة يشكون بدرجة أقل من الإجهاد والضغط النفسي مقارنة بنظرائهم الأقل ترددا على الكنيسة أو أولئك الذين لا يترددون على الكنيسة بالمرة؛ وذلك بقطع النظر عن السن والجنس والحــالة الاجتــماعية والمســتوى التعليمي واستنتج البـاحـثون بأن الدين يمـكن أن يشـكل طريقــة
فعالة في التغلب على المصاعب ومواجهة الأزمات بما يسهل على الفرد عملية التوافق مع ضغوط الحياة… وأنه على الرغم من أن الأفراد الأقل تدينا يبدون نوعا من الحزن والكرب النفسي عند مواجهة مصاعب الحياة إلا أنه كلما كان الفرد أكثر تدينا كلما كان أقدر على مواجهة الضغوط مع إبداء قدر أقل من الهم والغم والكرب النفسي.[51]
وقد أكدت عدة دراسات أخرى هذه النتائج حيث أشار كل من Argyle & Beit-Hallahmi(1975), Moberg (1965) , Stark (1971) بأن الأفراد المتدينين المتقدمين في السن يبدون شعورا بالسعادة أكبر ويخبرون قدرا أقل من الاضطرابات النفسية.[52]
كذلك أشارGartner et All (1991) من خلال استعراضهم لست دراسات حول الموضوع نفسه إلى وجود علاقة موجبة بين الالتزام بالدين والشعور بالسعادة.[53]
كما أشارت بعض الدراسات الأخرى إلى أن الأفراد المضطربين نفسيا يمكن أن يستجيبوا إلى العلاجات النفسية ذات الصبغة الدينية فقد أشار كل من Finney & Maloney (1985) , Griffith et All(1986) , Morris (1982) إلى حدوث انخفاض ملحوظ ومعنوي في الأعراض السايكاترية لدى مجموعة من المرضى النفسيين الذين نصحوا بممارسة بعض الشعائر التعبدية.[54]
كما أشارKatkin et All (1975) إلى حدوث تحسن ملحوظ لدى بعض المرضى الذين تلقوا بعض المساندة النفسية والتوجيه الديني من طرف القساوسة أثناء تعاطيهم العلاج الطبي.[55]
العلاقة بين التدين وبعض سمات الشخصية
قبل الحديث عن العلاقة بين التدين وبعض سمات الشخصية السليمة أو السقيمة ينبغي تحديد مكونات الالتزام الديني للوقوف على تلك المكونات التي تساعد على تحقيق الصحة النفسية وتلك التي تضر بالصحة النفسية ؛ أي الوقوف على مظاهر التدين الصحيح والتدين المغشوش، ويغلب في كتابات علم النفس التمييز بين نوعين من التدين : التدين الجوهري (الداخلي ، الحقيقي ) Intrinsic والتدين الظاهري (الخارجي ، المغشوش ) Extrinsic .
والشخص المتدين جوهريا كما عرفه - جوردن ألبورت - Gordon Allport (1967) يحمل المعتقدات الدينية في داخله، ويعيش وفقا لهذه المعتقدات بغض النظر عن الضغوط الاجتماعية، أو الخارجية ، وبغض النظر عن أي نتائج ذاتية أخرى [56]
وقد وصف Payne et All (1991) التدين الجوهري بأنه درجة أعلى من الالتزام ، يتم من خلالها النظر إلى الدين على أنه هدف في حد ذاته ؛ حيث تتم ممارسته بتجرد وبعد عن الأنانية، وباعتبار المبدأ أولا قبل النظر إلى النتائج وعلى هذا الأساس يتم التركيز بصورة أكبر على الأخلاق والانضباط والثبات على مبدأ واحد ، والإخلاص ، وعدم الاستجابة للضغوط الخارجية الداعية للانحراف.[57]
أما الشخص المتدين ظاهريا فقد عرفه Allport (1967) بأنه ذلك الشخص الذي يستعمل الدين للوصول إلى منصب أو لتأمين حماية لشخصه أو للتبرير الذاتي أو للحصول على الحظوة الاجتماعية، وبالتالي فهو يتخذ من الدين وسيلة نفعية مركزة على ذاته.
وقد ميزAllport (1968) بين نوعي التدين : الجوهري والظاهري بقوله : أنا واثق تماما من أن نزعة التدين الجوهري ، وليست الظاهري ، هي التي تساعد على تحقيق الصحة النفسية [58]
في هذا الإطار يمكن النظر إلى نتائج الدراسات التي بحثت في العلاقة بين التدين وسمات الشخصية وفيما يلي بيان ذلك:
العلاقة بين التدين والقلق
لقد أشارGartner et All (1991) في استعراضه لمجموعة من الدراسات التي تناولت العلاقة بين التدين والقلق إلى أنه هناك اضطراب ظاهري بين نتائج هذه الدراسات؛ ففي الوقت الذي أظهرت فيه نتائج أربع دراساتGupta (1983) ; Hassan & Khalique (1981) ; Spellman Et ALL (1971) ; Wilson & Miller (1968) أن الأفراد المتدينين يظهرون قدرا أكبر من القلق أشارت ثلاث دراسات أخرى Hertsgaard & Light (1984) ; Williams & Cole (1968) ; Morris (1982) إلى أن الأفراد الأكثر تدينا يبدون قدرا أقل من القلق؛ وفي الوقت نفسه فقد أفادت ثلاث دراسات Brown (1962) ; Epstein et All (1985) ; Heintzelman & Fehr (1976) بعدم وجود علاقة بين التدين والقلق. وخلص الباحث بعد عرضه لهذه النتائج إلى أن هناك أشكال مختلفة للتدين ترتبط بطرق مختلفة بالقلق مشيرا بذلك إلى نوعي التدين: التدين الداخلي ، والتدين الظاهري ؛ محاولا بذلك فك التناقض بين نتائج الدراسات المذكورة سابقا حيث قرر بأن الإخلاص في التدين (التدين الداخلي) يقترن بانخفاض القلق بينما يرتبط التدين الظاهري (أن يدين الفرد بالدين ظاهريا فقط) بزيادة في القلق. أما الدراسات التي أفضت إلى عدم وجود علاقة بين التدين والقلق (سلبيا أو إيجابيا) فتجد تفسيرها في أن مقاييس التدين المستخدمة فيها كانت من العمومية بمكان بحيث لم تميز بين التدين (الداخلي والخارجي) مما جعل أثر نوعي التدين يلغي أحدهما الآخر؛ فكانت النتيجة علاقة صفرية بين القلق والتدين.[59]
وهناك بعض الدراسات الأخرى التي تدعم هذه النتائج وتصدقها منها :
دراسة Baker and Gorsuch (1982) التي سعت إلى تقدير العلاقة بين (سمة القلق) ونوعي التدين: الداخلي والظاهري - وانتهت إلى أن الأفراد الأكثر إخلاصا في تدينهم يبدون قدرا أقل من القلق بينما يبدي الأفراد الذين يدينون بالدين ظاهريا قدرا أكبر من القلق .
وقد أشارت نتائج هذه الدراسة أيضا إلى أن الأفراد الأكثر إخلاصا في تدينهم يتميزون بقوة الأنا والسلوك الاجتماعي الناضج، والشعور بالأمان وقلة القلق؛ بينما أظهر الأفراد الأقل تدينا (الذين يدينون بالدين ظاهريا) خصائص في الاتجاه المعاكس تماما .
كذلك أفادت دراسة Bergin بأن الإخلاص في التدين يؤدي إلى خفض التوتر والقلق.[60]
العلاقة بين التدين واحترام الذات
في عرضه لاثنتين وعشرين دراسة أجريت حول العلاقة بين التدين واحترام الذات Self- Esteem توصل Gartner et All (1991) إلى النتائج التالية:
* ¨ أظهرت نتائج سبع دراسات أن الالتزام بالدين يزيد من احترام الفرد لذاته.
* ¨ أفادت خمس دراسات بأن الأفراد المتدينين يبدون قدرا ضئيلا من احترام الذات.
* ¨ وأفادت عشر دراسات بعدم وجود علاقة بين التدين واحترام الذات.
“كذلك أفادت دراسة Bensen & Spilka (1977) أن احترام الذات المرتفع كان أحد خصائص أفراد العينة الذين يغلب عليهم الرجاء في الله وترقب الرحمة والمغفرة من الله؛ بينما كان احترام الذات المنخفض أحد سمات أفراد العينة الذين يغلب عليهم الخوف من الله والقنوط من الرحمة.
كذلك أشارت دراسة Wickstrom & Fleck (1983) إلى أن احترام الذات يرتبط عكسيا مع التدين الظاهري.”[61]
العلاقة بين التدين والتسامح والتعصب [62]
على الرغم من أن التراث النفسي يشير في أغلبه إلى ارتباط التعصب بالتدين إلا أن الدراسات الحديثة تشكك في هذه المزاعم وتشير إلى وجود علاقة انحنائية Curvilinear Relationship بين التدين والتعصب؛ حيث نجد أن الأفراد الأقل تعصبا هم أولئك الذين يترددون على الكنيسة بدرجة أكثر ، وهم أيضا أولئك الذين لا يترددون على الكنيسة بالمرة، بينما نجد أن الأفراد الأكثر تعصبا هم أولئك الذين يترددون على الكنيسة أحيانا أو في المناسبات.
وقد تبين من بعض الدراسات الحديثة أن الإخلاص في التدين (التدين الداخلي) يرتبط عكسيا بالتعصب. وأن التدين الظاهري يرتبط طرديا بالتعصب.
العلاقة بين التدين وبعض السمات الأخرى للشخصية [63]
لقد أشار Kahoe (1974) إلى وجود علاقة موجبة بين التدين الجوهري من جهة وبين تحمل المسؤولية، وضبط الذات الداخلي، و قوة الإرادة من جهة أخرى؛ كما وجدت علاقة موجبة بين التدين الظاهري والتسلطية ؛ بينما وجدت علاقة سلبية بين التدين الظاهري من جهة وتحمل المسؤولية ، وضبط الذات الداخلي، وقوة الإرادة من جهة أخرى
كما أشار Wiebe & Fleck (1980) إلى أن الأفراد المخلصين في تدينهم Intrinsics يبدون اهتماما أكبر بالقواعد الأخلاقية، والآداب، والمسؤولية، ويقظة الضمير وانسجام الأقوال والأفعال مقارنة بأولئك الذين لا يدينون بالدين إلا ظاهرياExtrinsics أو غير المتدينين non-religious . ويتميز المتدينون تدينا حقيقيا بالقدرة على التعبير عن الانفعالات، ويعتمد عليهم، ويبدون اتجاهــا محافظا وتقليديا؛ وفي المقابل فإن الأفراد الذين يدينون بالدين ظاهريا يبدون نوعا من الكسل، وضعف الإرادة، ويطلقون العنان لشهواتهم، ولا يعتمد عليهم.
كما أشار Bergin et All (1987) إلى وجود ارتباط سالب بين درجات عينة من الطلبة الذين ينتمون إلى طائفة المورمون Mormon Students at Birgham young University على مقياس القلق الظاهري ودرجاتهم على مقياس ضبط الذات ، وخلص الباحث إلى أنه كلما كان أفراد العينة أكثر إخلاصا في تدينهم كلما اتصفوا بمقدار أقل من القلق؛ وفي المقابل فإن الأفراد الأقل إخلاصا ( الذين يدينون بالدين ظاهريا) يبدون قدرا أكبر من القلق معبرين بذلك عن علاقة إيجابية بين التدين الظاهري والتعرض للقلق.
وهكذا فإن الإخلاص في التدين يرتبط بالسمات الإيجابية للشخصية مثل - الشعور بالسعادة، والشعور بالمسؤولية، وضبط الذات، والتسامح والمرونة، في حين أن التدين الظاهري يرتبط بسمات مضادة، يضاف إلى ذلك أن ارتباط الدرجة المرتفعة في ضبط الذات بالدرجات المرتفعة على مقياس التدين الداخلي مع عدم ارتباطــها بالقلق أو أي اضطراب سلوكي ظـاهر تفند الاعتقاد السائد في أن الاعتقادات الدينية المتطرفة ترتبط عادة بضبط مرضي زائد.
[1] بدري ، مالك ، التحليل الديني والنفسي ..، 7.
[2] Freud , Psychanalyse …, 140
[3] Ibid, 141.
[4] Freud , Psychanalyse …, 137-138
[5] مالك بدري ، التحليل النفسي والديني …، 25 .
[6] Freud , Psychanalyse …, 138.
[7] مالك بدري ، التحليل النفسي والديني …، 27.
[8] The future of an Illusion : L' avenir d' une Illusion .
[9] Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2 …, 2.
[10] Vitz. Pin, Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2…, 2
[11] Pfister, O. in ,Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2..,2.
[12] Freud , In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2…,2
[13] Kung, H. ,in ,Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2…,2-3.
[14] Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2...,3.
[15] Rizzuto,A., in , forgotten factor: module 2…,3.
[16] Vitz,P., in , Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2…,3.
[17] مالك بدري ، التحليل النفسي والديني …، 27.
[18] المرجع نفسه ، 27.
[19] مالك، بدري ، التحليل النفسي والديني،2.
[20] Mortimer ,O. In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2...,13..
[21] Larson,D.B., & Larson,S.S, religious commitment and health…, 43.
[22] Goleman,D., In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4...,1-2.
[23] مالك بدري، التحليل الديني والنفسي، 2 - 6.
[24] راجع: الأبحاث القيمة التي نشرتها جامعةLeadership university ، تحت عنوان : The forgotten Factor
[25] Larson et all , A systematic analysis of research on religious variables…, 329-334.
[26] Craigie et All , In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module2...,7-8
[27] Buehler et All , In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module2...8.
[28] Harrison ,M.H. & Lazerwitz,B. , In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2...,5.
[29] Greely, A.M., In, Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2...,6.
[30] Albert Ellis In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module2...1. .
[31] Mortimer, O. in Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4...2
[32] Larson, D.B., & Larson, S.S., religious commitment and health .., 43.
[33] Goleman,D., Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4...,1.
[34] Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 7...,2.
[35] Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 7...,2.
[36] Larson & Larson, religious commitment and health…,26-40.
[37] Craigie et All , In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 2...11-12.
[38] Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4...,4.
[39] Ibid,4.
[40] Ibid , 4.
[41] Stack,S., Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4..., 4.
[42] Gorsuch, R.& Bulter,M..,In Larson & Larson, Forgotten Factor : module 4... , 4.
[43] Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4..., 5.
[44] Lock , B.R., & Hughes,R.H., In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4.. , 5.
[45] Larson, D.B., & Wilson,W.P., religious life of alcoholics…, 723-727.
[46] Argyle & Beit -Hallahmi , in Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4…,6.
[47] Gartner et All , Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4..., 7.
[48] راجع :
1. ¨ مالك بدري ، ما هو الدور النفسي والروحي للإسلام في مساعدة من يدمنون الخمر من المسلمين …، 26.
2. ¨ Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4….,6.
[49] Gartner et All, In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4..., 7.
[50] Ibid , 7
[51] Williams, R.W., et All , In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4..., 10-11.
[52] Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4…,12.
[53] Gartner et All , In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 4..., 12.
[54] Ibid, 12.
[55] Ibid,12.
[56] Allport , G.W., in Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 5…,3.
[57] Ibid, 3.
[58] Ibid , 3.
[59] Gartner , J. et All , In Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 5..., 5-6.
[60] Larson D.B & Larson, S.S., Forgotten Factor : module 5...,-6
[61] Ibid , 7.
[62] Ibid , 7-8
[63] Ibid , 3-5.
[1] المقال للكاتب: د. عمر النمري نقلا عن:
http://www.islamicvision.info/index.php?action=art_shw&art_id=66








