رقائق الحروف
كتابات خاصة بعيدا عن السياسة قريبا من الادب
"وفي أنفسكم أفلا تبصرون"

نطفة دقيقة ألقيت في رحم الأم هي أصل تكون بني آدم، باتحادها مع البويضة تبدأ حياة كائن جديد. فكون "اختلاط نطفة الذكر وبويضة الأنثى يكونان الجنين" حقيقة عرفها البشر في القرن الثامن عشر، ولم يتأكدوا منها إلا في بداية القرن العشرين.

بينما نجد القرآن الكريم قد أكد بصورة علمية دقيقة أن الإنسان إنما خُلق من نطفة مختلطة سماها "النطفة الأمشاج"، فقال تعالى في سورة الإنسان:{إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (الإنسان: 2). وقد أجمع أهل التفسير على أن الأمشاج هي الأخلاط، وهي اختلاط ماء الرجل بماء المرأة. 

منذ أن لخص أرسطو النظريات السائدة في عصره والمتعلقة بتخلق الجنين، استمر الجدل بين أنصار نظرية الجنين الكامل القزم الموجود في ماء الرجل وبين أنصار نظرية الجنين الكامل القزم الذي يتخلّق من انعقاد دم الحيض لدى المرأة. لقد تصور معظمهم أن الإنسان مختزل في الحبّة المنوية؛ فرسم له العلماء صورة وتخيلوا أنه يوجد كاملا في النطفة المنوية غير أنه ينمو ويكبر في الرحم كالشجرة الصغيرة، ولم يتنبّه أحد من الفريقين إلى أن كلاً من حيوان الرجل وبييضة المرأة يساهمان في تكوين الجني، وهو ما قال به العالم الإيطالي "سبالانزاني" Spallanzani سنة 1775م. وفي عام 1783 تمكن "فان بندن" Van Beneden من إثبات هذه المقولة.. وهكذا تخلت البشرية عن فكرة الجنين القزم. كما أثبت "بوفري" Boveri بين عامي 1888 و1909 أن الكروموسومات تنقسم وتحمل خصائص وراثية مختلفة. واستطاع "مورجان" Morgan عام 1912 أن يحدد دور الجينات في الوراثة وأنها موجودة في مناطق خاصة من الكروموسومات. 

وهكذا يتجلى لنا أن الإنسانية لم تعرف أن الجنين يتكون من اختلاط نطفة الذكر وبييضة الأنثى إلا في القرن الثامن عشر، ولم يتأكد لها ذلك إلا في بداية القرن العشرين.

بينما نجد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد أكدا بصورة علمية دقيقة أن الإنسان إنما خُلق من نطفة مختلطة سماها "النطفة الأمشاج" فقال تعالى في سورة الإنسان:"إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا" (الإنسان:2). وقد أجمع أهل التفسير على أن الأمشاج هي الأخلاط، وهو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة. والحديث الشريف يؤكد هذا؛ فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده أن يهودياً مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه فقالت له قريش: يا يهودي، إن هذا يزعم أنه نبي فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي، فقال: يا محمد، مِمَّ يُخلق الإنسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا يهودي، من كلٍّ يخلق: من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، فقال اليهودي: هكذا كان يقول مَن قبلك" (أي من الأنبياء). 

 سنتحدث عن الأطوار الجنينية كما ذكرها البيان القرآني ونلقي ضوءاً على الحقائق العلمية الثابتة في كل طور من الأطوار.. وأول هذه الأطوار: 

طور النطفة: Sperm

حقائق علمية مثبتة

تتشكل النُّطف في الخصية التي تتكون بدورها -كما أثبت علم الأجنة- من خلايا تقع أسفل الكليتين في الظهر ثم تنزل إلى أسفل البطن في الأسابيع الأخيرة من الحمل.

ومني الرجل يحتوي بشكل رئيسي على المكونات التالية: الحيوانات المنوية (النطف Sperms ) التي يجب أن تكون متدفقة ومتحركة حتى يحدث الإخصاب، ومادة البروستاغلاندين Prostaglandin التي تسبب تقلصات في الرحم مما يساعد على نقل الحيوانات المنوية إلى موقع الإخصاب.

من بين المئات من النطاف نطفة واحدة فقط يتسنى لها تلقيح البويضة

ومع أن مئات الملايين (500-600 مليون) من النطف تدخل عبر المهبل إلى عنق الرحم فإن نطفة واحدة هي التي تلقح البييضة، قاطعة مسافة طويلة جداً لتصل إلى مكان الإخصاب في قناة فالوب الرحمية Uterine Tube التي تصل المبيض بالرحم، تلك المسافة المحفوفة بكثير من العوائق تعادل ما يمكن تشبيهه بالمسافة التي يقطعها الإنسان ليصل إلى القمر!. ويحدث عقب الإلقاح مباشرة تغير سريع في غشاء البييضة؛ وهو ما يمنع دخول بقية الحيوانات المنوية إليها. 

إن النطفة تحتوي على 23 كروموسوما (صبغيا)، منها كروموسوم واحد لتحديد الجنس، وقد يكون (Y) أو (X) أما البييضة فالكروموسوم الجنسي فيها هو دائماً X))، فإن التحمت نطفةY) ) مع البييضة (X) فالبييضة الملقحة Zygote ستكون ذكراً (XY)، أما إذا التحمت نطفة (X)مع البييضة (X) فالجنين القادم سيكون أنثى XX)).. فالذي يحدد الجنس إذن هو النطفة وليس البييضة.

يبدأ إنقسام البويضة الملقحة خلال ساعات من عملية الإخصاب

بعد حوالي 5 ساعات على تكون البييضة الملقّحة -وهي الخلية الإنسانية الأولية الحاوية على 46 كروموسوما- تتقدر الصفات الوراثية التي ستسود في المخلوق الجديد، والصفات التي ستتنحى فلا تظهر 

عليه، بل يمكنها أن تظهر في بعض أولاده أو أحفاده (مرحلة البرمجة الجنينية)، بعد ذلك تنقسم البييضة الملقحة انقسامات سريعة دون تغير في حجمها، متحركة من قناة فالوب (الواصلة بين المبيض والرحم) باتجاه الرحم حيث تنغرس فيه كما تنغرس البذرة في التربة.

والرحم هو مكان تطور ونمو الجنين قبل أن يخرج طفلاً كامل الخلقة وسويّ التكوين. ويتميزالرحم بأنه مكان آمن للقيام بهذه الوظيفة؛ وذلك للأسباب التالية:

1- موضع الرحم في حوض المرأة العظمي، وهو محمي أيضاً بأربطة وصفاقات تمسك الرحم من جوانبه وتسمح له أيضاً بالحركة والنمو حتى إن حجمه يتضاعف مئات المرات في نهاية الحمل.

2- عضلات الحوض والعجان (الدبر) تحفظ الرحم في مكانه.

3- ويساهم في استقرار الرحم إفراز هرمون الحمل (البروجسترون) الذي يجعل انقباضات الرحم بطيئة.

4- كما أن الجنين داخل الرحم محاط بأغشية مختلفة تنتج سائلاً أمنيوسياً يسبح فيه الجنين ويمنع عنه تأثير الرضوض الخارجية.

تستمر مرحلة الإلقاح ووصول البييضة الملقحة إلى الرحم حوالي 6 أيام، ويستمر انغراسها ونموها في جدار الرحم حتى اليوم 15 حيث تبدأ مرحلة العلقة. 

تأملات قرآنية

إن "النطفة" لغوياً هي القليل من الماء أو قطرة الماء، وهذا يطابق ماء الرجل الذي يحوي الحيوانات المنوية كجزء منه. والحيوان المنوي ينسلّ من الماء المهين (المني) وشكل الحيوان المنوي (النطفة) كالسمكة الطويلة الذيل (وهذا أحد معاني لفظة سلالة). يقول تعالى:"الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ" (السجدة :7-8) . ويقول أيضاً مبيناً دور النطفة في الخلق: "فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِماَ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ" (الطارق 5-6)، ويقول: "خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ" (النحل : 4). ويؤكد البيان الإلهي أن صفات الإنسان تتقرر وتتقدر وهو نطفة ولذلك قال تعالى: "قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ" ( عبس17-19) . 

والنطفة الأمشاج في قوله تعالى: "إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا" (الإنسان:2) تعبّر عن هذا الإعجاز؛ فلغوياً هي نطفة (صغيرة كالقطرة) مفردة، ولكن تركيبها مؤلف من أخلاط مجتمعة (أمشاج) وهذا يطابق الملاحظة العلمية حيث إن البييضة الملقحة بالحيوان المنوي هي على شكل قطرة، وهي في نفس الوقت خليط من كروموسومات نطفة الرجل وكروموسومات البييضة الأنثوية. 

هل تصور أحد من البشر أن نطفة الرجل حال الإمناء يتقرر مصيرها وما يخرج منها ذكرا كان أو أنثى؟! هل يخطر هذا بالبال ؟! لكن القرآن يقول: "وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىِ . من نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى" (النجم 45-46) حال إمنائة إذا تمنى، وقد قدر ما سيكون الجنين ذكرا أو أنثى!! من أخبر محمدا أن النطفة بأحد نوعيها (X أو Y) هي المسؤولة عن تحديد جنس الجنين؟ هذه المعلومة لم تعرف إلا بعد اكتشاف الميكروسكوب الإلكتروني في القرن الماضي؛ حيث عرفوا أن الذكورة أو الأنوثة تتقرر في النطفة وليس في البييضة، بما يعني أننا كنا في أوائل القرن العشرين وكانت البشرية بأجمعها لا تعلم أن الذكورة والأنوثة مقررة في النطفة.. لكن القرآن الذي نزل قبل أربعة عشر قرنا يقرر هذا في غاية الوضوح!

وثمة لفتة طريفة، حيث ذكرنا سابقاً أن النطف تتكون في الخصية التي تتشكل بدورها -كما أثبت علم الأجنة- من خلايا تقع أسفل الكليتين في الظهر ثم تنزل إلى الأسفل في مراحل الحمل الأخيرة، وهذا تأكيد لقوله تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ" (الأعراف 172) وهذه إشارة واضحة إلى أن أصل الذرية هو منطقة الظهر حيث مكان تشكل الخصية الجنيني، فسبحان الله أعلم العالمين.

وأخيراً كما ذكرنا فإن الرحم يعتبر مقراً آمناً (ومكيناً) لنمو الجنين وحمايته لأسباب كنا قد تحدثنا عنها سابقاً، نجد أن القرآن الكريم يذكر ذلك ويؤكده منذ أكثر من 14 قرناً حيث يقول تعالى:"فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ . فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ" ( المرسلات:21-23).. صدق الله العظيم.

الطور الثاني: العلقة

الحقائق العلمية الثابتة:

يبدأ طور العلقة في اليوم 15 وينتهي في اليوم 23 أو 24 حيث يتكامل بالتدريج ليبدو الجنين على شكل الدودة العلقة التي تعيش في الماء، ويتعلق في جدار الرحم بحبل السرة، وتتكون الدماء داخل الأوعية الدموية على شكل جزر مغلقة تجعل الدم غير متحرك في الأوعية الدموية، معطية إياه مظهر الدم المتجمد.

وبالرغم من أن طبيعة الجسم البشريّ هي أن يطرد أيّ جسم خارجي فإن الرحم لا يرفض العلقة المنزرعة في جداره، على الرغم من أن نصف مكوناتها ومورثاتها هو من مصدر خارجي (الأب) وهذا مرده حسب بعض التفسيرات أن منطقة خلايا Syncitia بالعلقة لا يوجد بها مولدات ضد Antigens .

يجدر بالذكر هنا أن الشريط الأولي Primitive Streak هو أول ما يُخلق في الجنين في اليوم 14 أو 15 ثم تظهر فيه العقدة الأولية Primitive Node ومن هذا الشريط تتكون الخلايا الأم Stem cells ومصادر الأنسجة الرئيسية Mesoderm, Ectoderm, Endoderm التي سوف تشكل أعضاء وأنسجة الجسم المختلفة ، وفي نهاية الأسبوع 3 يضمر الشريط الأولي ويتوضع ما يتبقى منه في المنطقة العجزية - العصعصية Sacrococcygeal region بنهاية ذيل العمود الفقري مبقياً على بقايا للخلايا الأم في هذه المنطقة ، حتى إن بعض أورام المنطقة العصعصية -تسمى الورم متعدد الأنسجة أو الورم العجائبي Teratroma- يمكنها أن تحوي أنسجة مختلفة (عضلات، جلدا، غضروفا، عظما، وأحيانا أسنانا أيضا) بخلاف الأورام التي تنشأ في مناطق أخرى، والتي تكون على حساب نسيج واحد محدد.

تأملات من القرآن والسنة:

منظر ترسيمي للجنين و هو يبدو على شكل دودة العلق

تستغرق عملية التحول من نطفة إلى علقة أكثر من 10 أيام حتى تلتصق النطفة الأمشاج (البييضة الملقحة) بالمشيمة البدائية بواسطة ساق موصلة تصبح فيما بعد الحبل السري؛ ولهذا استعمل البيان القرآني حرف العطف (ثم) في الآية الكريمة "ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً" (سورة المؤمنون: 14) الذي يفيد التتابع مع التراخي.
والعلقة لغوياً لها معان عدة:
1- الدودة العلقة (Leech) التي تعيش في البرك وتمتص دماء الكائنات الأخرى.
2- شيء متعلق بغيره.
3- الدم المتخثر أو المتجمد.
وهذه المعاني جميعاً منطبقة تماماً على واقع الجنين البشري بعد انغراسه في جدار الرحم؛ فهو يبدو على شكل دودة العلق (Leech) وهو متعلق أيضاً بجدار الرحم عن طريق حبل السرة ، وتنشأ بداخله الأوعية الدموية على شكل شبكة جزر مغلقة معطية إياه مظهر علقة الدم المتجمد.

ثم يتم التحول سريعاً من علقة إلى مضغة خلال يومين (من اليوم 24 إلى اليوم 26)؛ لهذا وصف القرآن هذا التحول السريع باستخدام حرف العطف (ف) الذي يفيد التتابع السريع للأحداث "فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً" (سورة المؤمنون14).. إذن حتى استعمال حروف العطف المختلفة كانت له دلالات بيانية إعجازية عكست اختلاف المراحل الجنينية.

طور العلقة هو الطور الثاني إذن من أطوار المراحل الجنينية، وقد ذكر في القرآن في مواضع عديدة ، قال تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} (القيامة: 37-39)، وقال في سورة سميت بسورة "العلق": "خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ" (العلق 2).

وعودة إلى موضوع

الشريط الأولي الذي هو أول ما يُخلق في الجنين ومن هذا الشريط تتكون الخلايا الأم وأعضاء وأنسجة الجسم المختلفة، وفي نهاية الأسبوع 3 يضمر الشريط الأولي ويتوضع ما يتبقى منه في المنطقة العصعصية بنهاية ذيل العمود الفقري، مبقياً على بقايا للخلايا الأم في هذه المنطقة، ويأتي هذا مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما روى عنه أبو هريرة في مسند أحمد: "كل ابن آدم يبلى ويأكله التراب إلاّ عجب الذنب، منه خُلق وفيه يُركب" فالخلايا التي تشكل أنسجة وأعضاء الجسم تتوضع في "عجب الذنب" أي العظم العصعصي، ومنها يخلق الإنسان، صدق رسول الله !

الطور الثالث: المضغة

المضغة في اليوم 28

الحقائق العلمية الثابتة:

يتحول الجنين من طور العلقة إلى بداية طور المضغة ابتداءً من اليوم 24 إلى اليوم 26، وهي فترة وجيزة إذا ما قورنت بفترة تحول النطفة إلى علقة.

يبدأ هذا الطور بظهور الكتل البدنية (Somites) في اليوم الرابع والعشرين أو الخامس والعشرين في أعلى اللوح الجنيني، ثم يتوالى ظهور هذه الكتل بالتدريج في مؤخرة الجنين. وفي اليوم الثامن والعشرين يتكون الجنين من عدة فلقات تظهر بينها أخاديد؛ وهو ما يجعل شكل الجنين شبيهاً بالعلكة الممضوغة، ويدور الجنين ويتقلب في جوف الرحم خلال هذا الطور الذي ينتهي بنهاية الأسبوع السادس.
ويجدر بالذكر أن مرحلة المضغة تبدأ بطور يتميز بنمو وزيادة في حجم الخلايا بأعداد كبيرة أي تكون المضغة كقطعة من اللحم لا تركيب مميزا لها، وبعد أيام قليلة يبدأ الطور الثاني وهو طور التشكيل (التخلق) حيث يبدأ ظهور بعض الأعضاء، كالعينين واللسان (في الأسبوع 4) والشفتين (الأسبوع 5)، ولكن لا تتضح المعالم إلاّ في نهاية الأسبوع 8، وتظهر نتوءات الأطراف (اليدين والساقين) في هذا الطور.

تأملات من القرآن والسنة:

لغوياً تعني "المضغة" المادة التي لاكتها الأسنان ومضغتها، وهي تعطي وصفاً دقيقاً لواقع هذه المرحلة الجنينية؛ حيث يصبح شكل الجنين مثل المادة الممضوغة التي يتغير شكلها باستمرار، وحيث تظهر فلقات الكتل البدنية (Somites) في الجنين، واختلافها يشبه شكل "طبع الأسنان" على اللقمة, كذلك يدور الجنين ويتقلب في جوف الرحم كتقلب القطعة الممضوغة في الفم.

يأتي طور المضغة بعد طور العلقة، وهذا الترتيب يطابق ما ورد في الآية الكريمة: {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} (المؤمنون: 14).
من صفات المضغة أنها تستطيل ويتغير شكلها عند مضغها، وهذا ما يحصل تماماً للجنين في هذه المرحلة. وكما ذكرنا فللمضغة طور باكر قبل أن تشكّل وتخلق الأعضاء، وطور آخر بعد بدء تشكل الأعضاء كما قال البيان القرآني: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى" ( الحج :5)، إذن هناك طوران للمضغة: المضغة غير المخلقة والمضغة المخلقة، وينتهي هذا الطور بشقيه في الأسبوع 6 (أي بعد 40 يوما)، وقد أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".
ولفتة أخرى أيضاً، وهي أن بعض الأعضاء تتخلق قبل غيرها؛ فالعينان واللسان (الأسبوع 4) تتخلق قبل الشفتين (الأسبوع 5)، والبيان القرآني يقدم العينين واللسان على الشفتين: "أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ" (سورة البلد: 8-9).

الطور الرابع: العظام

الجنين في اليوم 42

ا

الجنين في اليوم 44 

الحقائق العلمية الثابتة:

خلال الأسبوع 6 يبدأ الهيكل العظمي الغضروفي في الانتشار في الجسم، ولكن لا ترى في الجنين ملامح الصورة الآدمية حتى بداية الأسبوع 7؛ حيث يأخذ شكل الجنين شكل الهيكل العظمي. ويتم الانتقال من شكل المضغة إلى بداية شكل الهيكل العظمي في فترة زمنية وجيزة خلال نهاية الأسبوع 6 وبداية الأسبوع 7، ويتميز هذا الطور بظهور الهيكل العظمي الذي يعطي الجنين مظهره الآدمي.

تأملات من القرآن والسنة:

إن مصطلح العظام الذي أطلقه القرآن الكريم على هذا الطور هو المصطلح الذي يعبر عن هذه المرحلة من حياة الجنين تعبيرًا دقيقًا يشمل المظهر الخارجي، وهو أهم تغيير في البناء الداخلي وما يصاحبه من علاقات جديدة بين أجزاء الجسم واستواء في مظهر الجنين، ويتميز بوضوح عن طور المضغة الذي قبله، قال تعالى: "فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" (المؤمنون: 14).

وتكَوُّن العظام هو أبرز تكوين في هذا الطور؛ حيث يتم الانتقال من شكل المضغة الذي لا ترى فيه ملامح الصورة الآدمية إلى بداية شكل الهيكل العظمي في فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز أياما قليلة خلال نهاية الأسبوع 6 (ولهذا استعمل حرف العطف "ف" الذي يفيد التتابع السريع)، وهذا الهيكل العظمي هو الذي يعطي الجنين مظهره الآدمي بعد أن يكسى باللحم (العضلات) وتظهر العينان والشفتان والأنف، ويكون الرأس قد تمايز عن الجذع والأطراف، وهذا مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا مرّ بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا ربّ أذكر أم أنثى؟" صحيح مسـلم. بعد أن يمر على النطفة 42 ليلة (6 أسابيع) يبدأ التصوير فيها لأخذ الشكل الآدمي بظهور الهيكل العظمي الغضروفي، ثم تبدأ الأعضاء التناسلية الظاهرة بالظهور فيما بعد (الأسبوع 10) .
وفي الأسبوع السابع تبدأ الصورة الآدمية في الوضوح؛ نظراً لبداية انتشار الهيكل العظمي، فيمثل هذا الأسبوع (ما بين اليوم 40 و45) الحد الفاصل ما بين المضغة والشكل الإنساني.

نستكمل الحديث الذي كنا قد بدأناه عن الأطوار الجنينية كما ذكرها البيان القرآني والحقائق العلمية الثابتة في كل طور من الأطوار.. وكنا قد تناولنا في الموضوعين السابقين كلا من أطور النطفة، و العلقة، و المضغة، و العظام، والآن نتناول الأطوار التالية:

الطور الخامس: طور العضلات والكساء باللحم

الحقائق العلمية الثابتة:

يتميّز هذا الطور بانتشار العضلات (Muscles) حول العظام وإحاطتها بها، وبتمام كساء العظم باللحم تبدأ الصورة الآدمية بالاعتدال فترتبط أجزاء الجسم بعلاقات أكثر تناسقاً، وبعد تمام تكوين العضلات يمكن للجنين أن يتحرك. تبدأ مرحلة تكوين العضلات في نهاية الأسبوع السابع، وتستمر طوال الأسبوع الثامن، وتأتي عقب طور العظام مباشرةً وخلال فترة وجيزة.

تأملات قرآنية:

تبدأ مرحلة كساء العظام باللحم في نهاية الأسبوع السابع وتستمر إلى نهاية الأسبوع الثامن، وتأتي عقب طور العظام كما بيّن ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى "فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا" (المؤمنون: 14).

ويعتبر هذا الطور الذي ينتهي بنهاية الأسبوع الثامن نهاية مرحلة التخلق، كما اصطلح علماء الأجنة على اعتبار نهاية الأسبوع الثامن نهاية لمرحلة الجنين الحُمَيل Embryo ، ثم تأتي بعدها مرحلة الجنين بالخاصة Foetus التي توافق مرحلة النشأة، كما جاء في قوله تعالى: "فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" (المؤمنون: 14) صدق الخالق العظيم سبحانه وتعالى.

الطور السادس: طور النشأة والقابلية للحياة

الحقائق العلمية الثابتة:

اليوم 48

اليوم 56

بنهاية الأسبوع الثامن تبدأ مرحلة جديدة تحدث فيها عمليات هامة، حيث يتسرّع معدل النمو مقارنة بالسابق وكذلك يتحوّل الجنين لخلق آخر، حيث تبدأ أحجام الرأس والجسم والأطراف في التوازن والاعتدال ما بين الأسبوع التاسع والثاني عشر.

في الأسبوع العاشر يبدأ ظهور الأعضاء التناسلية الخارجية ويتطور بناء الهيكل العظمي من عظام غضروفية لينة إلى عظام كلسية صلبة في الأسبوع الثاني عشر، وتتمايز الأطراف والأصابع بنفس الأسبوع، وكذلك يظهر جنس الجنين بظهور الأعضاء التناسلية الخارجية بشكل أوضح.

ويزداد وزن الجنين بصورة ملحوظة، وتتطور العضلات الإرادية وغير الإرادية كما تبدأ الحركات الإرادية في هذه المرحلة.

وفي هذا الطور أيضاً تصبح الأعضاء والأجهزة مهيأة للقيام بوظائفها، وتتم تهيئة الجنين للحياة خارج الرحم في الأسبوع 22 وتنتهي في الأسبوع 26 (أي بعد تمام الشهر السادس للحمل) عندما يصبح الجهاز التنفسي مؤهلاً للقيام بوظائفه، ويصبح الجهاز العصبي مؤهلاً لضبط حرارة جسم الجنين. وهنا لا تنشأ أجهزة أو أعضاء جديدة بعد أن أصبحت كلها مؤهلة للعمل ويقوم الرحم بتوفير الغذاء والبيئة الملائمة لنمو الجنين حتى طور المخاض.

تأملات من البيان القرآني:

يبدأ هذا الطور بعد مرحلة الكساء باللحم، أي من بداية الأسبوع التاسع، ويستغرق فترة زمنية (حوالي 3 أسابيع) يدل عليها استعمال حرف العطف (ثم) الذي يدل على فاصل زمني بين الكساء باللحم والنشأة خلقاً آخر، قال تعالى: "فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر".

بعد تطور الهيكل العظْمي الغضروفي وكسوته بالعضلات وتمايز الرأس والأطراف يتحول الجنين للخلق الإنساني الواضح المتميز عن غيره من المخلوقات "ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ".

في خلال هذه المرحلة تتم عدة عمليات هامة في نمو الجنين تندرج بجلاء تحت الوصفين اللذين جاءا في القرآن الكريم، ويمكن بيانهما فيما يلي:

1- النشأة: ويتضح بجلاء في سرعة معدل النمو من الأسبوع التاسع مقارنة بما قبله من المراحل.

2- خلقاً آخر: هذا الوصف يتزامن مع الأول، ويدل على أن الجنين الحُمَيل Embryo قد تحول في مرحلة النشأة إلى خلْق آخر هو الجنين (بالخاصة) Foetus فتظهر الأطراف والأعضاء الخارجية، وتتضح الأصابع والأعضاء التناسلية. يقول تعالى "هوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (آل عمران: 6).  

وثمة لفتة أخرى هنا حيث يقول سبحانه في سورة الزمر "يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ" (الزمر: 6) مبيناً استمرار التطور الجنيني والتحول من مرحلة إلى أخرى وهذا كما بيناه سابقاً، وكذلك أثبت علماء الأجنة أن الجنين يكون محاطاً أثناء مراحل تخلّقه في الرحم بثلاثة أغشية هي:

1- الغشاء الأمنيوسي (Amnion) الذي يحتوي على سائل يحيط بالجنين فيجعله في حالة سباحة؛ مما يقيه من الرضوض التي يتلقاها الرحم، وكذلك يسهل حركته لتسهيل وضعيته أثناء الولادة.

2- غشاء الكوريون (Chorion).  

3- غشاء (Decidua).

مع أن بعض العلماء الآخرين فسّروا الظلمات الثلاث بالغشاء الأمنيوسي المحيط بالجنين، وجدار الرحم وجدار البطن، والله أعلم.

وكما مر معنا أن الجنين يصبح مهيأً للحياة خارج الرحم بعد تمام الشهر السادس، ومن الطريف أن نلاحظ البيان القرآني قد ذكر في سورة الأحقاف أن مرحلة الحمل والحضانة تستغرق 30 شهراً "وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا" (الأحقاف: 15)، وفي سورة لقمان يذكر أن فترة الحضانة هي 24 شهراً "وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ" (لقمان: 14) وبحساب بسيط نستنتج أن البيان القرآني يقرر أن أقل فترة للحمل هي أيضاً 6 أشهر كما أوضحنا سابقاً، وقبل الأسبوع الثاني والعشرين الذي يبدأ فيه هذا الطور يخرج الجنين سقطاً في معظم الأجنة، فتبارك الله أحسن الخالقين.

الطور السابع: طور المخاض

الأغشية التي تحيط بالجنين

بعد مرور تسعة أشهر قمرية (38 أسبوعا) يكون الجنين قد أتم نموه في الرحم وحان موعد خروجه منه بعد انقضاء هذه الفترة المحددة، يقول تعالى: "وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى" (الحج: 5) فالأجل مسمى ومحدد، والفترة مقدرة معلومة "فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ . فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ" (المرسلات :21-23).

وقبل التحدث عن أطوار المخاض يجدر بالذكر هنا التنويه إلى إشارات البيان القرآني حول فوائد التمر للمرأة الماخض حينما يذكر السيدة مريم واصفاً حالها: "فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا منسيّا . فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا . فَكُلِي وَاشْرَبِـي وَقَرِّي عَيْنًا" (مريم 23-26)، فقد ثبت علميًّا وجود فوائد عديدة للتمر، من أهمها على سبيل المثال بالنسبة للمرأة الماخض: غنى التمر بالألياف مما يساعد على تجنب الإمساك فهو ملين طبيعي يساعد على إتمام الولادة، واحتواء التمر على السكريات البسيطة (الجلوكوز) بنسبة تزيد على 70% وهو سهل الامتصاص والتمثيل، يضمن توفير الطاقة اللازمة أثناء المخاض، وهو غني بالأملاح وخاصة المجنيزيوم اللازم لفسيولوجيا الخلايا والبوتاسيوم اللازم للعضلات وتقلصاتها، وكذلك الحديد اللازم لإصلاح فقر الدم لدى الماخض، وأخيراً يعتبر احتواء التمر على مادة تساعد على تنبيه تقلصات عضلة الرحم وزيادة انقباضاتها أثناء الولادة (وهذه المادة تشبه هرمون Oxytocin الذي تفرزه الغدة النخامية)، هذا بالإضافة إلى فوائد أخرى كثيرة للتمر لا مجال لذكرها هنا، فسبحان الله العليّ القدير.

يتضمن طور المخاض الذي ينتهي بالولادة 4 مراحل:  

مولود في لحظاته الأولى

1- مرحلة توسع عنق الرحم وانقباض عضلة الرحم: ويحدث ذلك نتيجة عوامل عديدة منها الميكانيكية ومنها الهرمونية، حيث يتم إفراز مجموعة من الهرمونات تساعد على بدء المخاض، ومن هذه الهرمونات:
(Prostaglandin, Corticotropin Releasing Hormon, Adreno Cortico Tropin, Corticol, Oxytocin, Estrogin)
تستغرق هذه المرحلة حوالي (7-12 ساعة) حيث يتهيأ عنق الرحم بتوسعه وتمدده لمرور الجنين.

2- مرحلة خروج الجنين: تستغرق مرحلة خروج الجنين هذه حوالي (30-50 دقيقة)، وتبدأ بعد توسع عنق الرحم بشكل كافٍ ونتيجة انقباضات الرحم وتقلصاته المتتابعة يبدأ رأس الجنين بالخروج أولاً، ومن اللافت للنظر أن قطر رأس الجنين قد يتجاوز 12 سم وهذا يتجاوز ثلاثة أضعاف قطر القناة المهبلية في الحالة الطبيعية!.

حين نرى هذا ونرى دور العديد من العوامل الهرمونية الذاتية المساعدة في خروج الجنين بالإضافة إلى تمدد أربطة الحوض وعضلاته لتيسير وتسهيل هذا الخروج نعلم حكمة قوله عز وجلّ : "ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ" (عبس: 20) فتبارك الله أحكم الحاكمين.  

3- مرحلة خروج المشيمة: وتشكّل العلقة الدموية خلفها كما يتبين، وهذه المرحلة تستمر حوالي 15 دقيقة.

4- مرحلة انقباض الرحم: لتخفيف النزف الدموي بعد انتهاء عملية الولادة، قد تستمر هذه المرحلة حوالي ساعتين.

وبعد الولادة وقطع الحبل السُّري الذي كان يعتمد عليه الجنين لتحصيل الغذاء من أمه طوال فترة الحمل يبدأ المولود مرحلة أخرى في محطة جديدة من حياته! فسبحان القائل: "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا" (النمل: 93)، وقوله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" (فصلت 53) صدق الخالق العظيم سبحانه وتعالى.
يا رب ولد.. يا رب بنت" رغبات وأمنيات لا تنتهي إلا بانتهاء البشرية. وإذا كان العلم قد أثبت إمكانية اختيار نوع المولود فإن هبة الله تبقى دائما وأبدا لمن يشاء. فالتدخل في العوامل الطبيعية للوراثة والتكاثر وتوجيهها بالإرادة البشرية لتحقيق رغبات معينة كمنع الحمل المتاح وتحقيق الإنجاب الممتنع والتحكم في صفات الجنين ونوعه وغير ذلك من التقنيات -لا يمثل منافاة أو تحديا لإرادة الله عز وجل ومشيئته كما يعتقد البعض، وإنما يدخل الإتيان بمثل هذه الأفعال في دائرة الإرادة الشرعية (افعل ولا تفعل) فما كان من هذه الأفعال ضمن الفضائل المتضمنة مصالح العباد فهو موافق للإرادة الشرعية، وما كان منها من القبائح المتضمنة فساد البلاد والعباد فهو مخالف للإرادة الشرعية. 

وكل الأفعال الموافقة للإرادة الشرعية أو المخالفة لها جائزة الوقوع عقلا وممكنة الحدوث في الطبع والعادة، وتخضع للأحكام التكليفية من حيث الإباحة والمنع في الدنيا، ولقاعدة الثواب والعقاب عند الله عز وجل في الآخرة. كما أن إدراك النتيجة وتحقق الهدف الذي يتم السعي إليه بهذه الأفعال، سواء كان موافقا للإرادة الشرعية أو مخالفا لها مرهون بإرادة الله عز وجل، ولا يتأتى مجرد تصور منافاتها. فإما أن يقع ما تم السعي إليه كنتيجة للأسباب فيكون ما حدث هو الموافق للإرادة الكونية، بل هو عين مرادها، وإما أن تتخلف النتائج عن الأسباب فيكون أيضا عدم الحدوث هو الموافق لإرادة الله ومشيئته.

كان هذا هو ما ذكره الدكتور "السيد محمود مهران" في الدراسة العلمية التي نال بها درجة الدكتوراه في الفقه من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بعنوان: "الأحكام الشرعية والقانونية للتدخل في عوامل الوراثة والتكاثر" والتي تضمنت دراسة مسهبة لوسائل وتقنيات الاختيار المسبق لنوع الجنين وفقاً لأحدث النظريات العلمية في هذا المجال من النواحي الطبية والشرعية والقانونية.

برمجة الجماع .. استغلال للخصائص الطبيعية

بييضة حولها مجموعة من الحيوانات المنوية تحاول إخصابها

من المعروف علميا أن الأب هو المسئول عن تحديد نوع الجنين وليس الأم، فحيواناته المنوية تحمل نوعين من الكروموسومات الجنسية - بعضها يحمل الكروموسوم الجنسي "X"، بينما يحمل البعض الآخر الكروموسوم الجنسي "Y". في حين تحمل بييضات المرأة نوعا واحدا من الكروموسومات الجنسية؛ وهو "X" فقط.

وعند حدوث الإخصاب في أعلى قناة فالوب بين حيوان منوي يحمل الكروموسوم "Y" والبييضة التي بطبيعتها تحمل الكروموسوم "X" يتكون جنين ذكر.

أما إذا التقى حيوان منوي يحمل الكروموسوم "X" مع البييضة فيتكون جنين أنثى.

ومن الأساليب المتعددة التي يمكن للزوجين عن طريقها الاختيار المسبق لنوع الجنين برمجة الجماع؛ بحيث يتم في توقيتات محددة. وتعتمد هذه الطريقة على الخصائص الطبيعية التي أودعها الله في خلقه، بحيث تؤدي كل منها وظيفة بعينها، يؤهلها لها ما تتميز به من خصائص كسرعة الحركة والقدرة على مقاومة حموضة إفرازات الجهاز التناسلي للمرأة؛ حيث إن الحيوان المنوي المذكر (الذي يحمل الكروموسوم "Y") أسرع حركة من المؤنث (الذي يحمل الكروموسوم "X") ولكنه أقل قدرة على تحمل حموضة الإفرازات؛ ولذلك فهو يموت بعد يوم واحد تقريبا إن لم يتمكن من تلقيح البييضة، بينما يستطيع الحيوان المنوي المؤنث أن يمكث في انتظار البييضة أو في الطريق إليها أكثر من خمسة أيام.

لذا يُنصح الراغبون في إنجاب الذكور بأن يجامعوا زوجاتهم يوم الإباضة (في دورات الطمث المنتظمة اليوم الرابع عشر من الدورة التالية) فهو أنسب الأوقات لإنجاب الذكور؛ حيث تكون فرصة الحيوان المنوي المذكر مواتية في الوصول إلي البييضة قبل الحيوان المؤنث. كما ينصحون بعدم تأخير الجماع إلى ما بعد اليوم الذي يلي يوم الإباضة؛ لأن البييضة لا تستمر صالحة للتخصيب أكثر من يومين من وقت الإباضة.

أما راغبو إنجاب الإناث فالأنسب أن يأتوا زوجاتهم قبل الإباضة بيومين أو ثلاثة؛ ليتوافق نزول البييضة مع وصول الحيوان المنوي إليها. 

معالجة الإفرازات.. لترجيح نوع عن آخر

كذلك يمكن الاختيار المسبق لنوع الجنين بمعالجة إفرازات الجهاز التناسلي للمرأة -وهي إفرازات يغلب عليها أن تكون حمضية- لمنع الميكروبات والجراثيم من الولوج في الجهاز التناسلي للمرأة أو التعشيش فيه، إلا أن هذه الحموضة تؤدي إلى إعاقة الإنجاب بصفة عامة إذا زادت، وإعاقة إنجاب الذكور بصفة خاصة؛ لأن هذه الحموضة تقتل الحيوانات المنوية وخصوصا المذكر منها لأنها ضعيفة جدا في مقاومة الوسط الحمضي، أما المؤنثة فلديها قدرة أكبر على المقاومة؛ ولذا تنصح الراغبات في إنجاب الذكور بإجراء غسيل لجهازهن التناسلي قبل الجماع بمحلول قلوي مثل محلول بيكربونات الصوديوم لإتاحة فرصة أكبر للحيوان المنوي المذكر في الإسراع إلى البييضة وتلقيحها.

أما الراغبات في إنجاب الإناث فينصحن بالغسيل بمحلول الخل الأبيض أو نحو ذلك من المحاليل الحمضية للتأكد من هلاك الحيوانات المنوية المذكرة وإتاحة الفرصة للحيوانات المؤنثة لتخصيب البييضة. 

غذاؤك يحدد نوع وليدك

نوع الغذاء يؤثر على مواقع الاستقبال في غشاء البييضة

وأضاف الدكتور "محمد بهائي السكري" - أستاذ علم وظائف الأعضاء بجامعة الأزهر موضحًا التأثير الملموس للغذاء في تحديد نوع الجنين - أن جسم الإنسان يحتوي على أربعة معادن ملحية أساسية هي الصوديوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم والكالسيوم، وأن هذه المعادن الأربعة تؤثر بطريقة ما على تركيب نطفة الذكورة، كما تؤثر في تكوين صبغات نواة البييضة؛ حيث إنه تبعا للنظام الغذائي المتبع تستطيع الأيونات المعدنية أن تحدث تغيرات أيضية من شأنها التأثير في غشاء البييضة على مستوى مواقع استقبال الحيوانات المنوية فتصبح قابلة للتأثر بالحيوانات المنوية وفقا لطبيعتها الذكرية أو الأنثوية.

ومن ثم فإن غذاء غنيا بالصوديوم والبوتاسيوم -مثل اللحوم والأسماك والسبانخ والخرشوف والمياه المعدنية الغنية بالصودا- يكون ملائما لميلاد الذكور، في حين أن غذاء غنيا بالكالسيوم والمغنيسيوم -مثل الألبان والبيض والمياه المعدنية الغنية بالكالسيوم- يسهل مجيء الإناث.

ويؤكد الدكتور محمد السكري أن العديد من مراكز الولادة المتقدمة في أنحاء العالم طبّقت هذه النظرية بعدما تقرر صلاحيتها رسميا في الملتقى الدولي لطب النساء والتوليد الذي انعقد في "بيتو" بفرنسا عام 1984. وكانت فرنسا قد طبقتها بنجاح لأول مرة عام 1973، حيث يخضع من يرغب في اختيار نوع الجنين لأنظمة غذائية معينة قبل الحمل بثلاثة أشهر على الأقل. ويذكر أن نسبة نجاحها في عينات مراقبة طبيا بلغت 80.7%.

ويؤكد الدكتور السيد محمود مدرس الفقه الإسلامي بجامعة الأزهر أن اتّباع كل من وسيلة الجماع المبرمج أو معالجة الإفرازات، وكذلك اتباع نظام غذائي معين بغرض الاختيار المسبق لنوع الجنين لا شيء فيه، وأن هذا الأمر يخلو من المشاكل الشرعية؛ ومن ثم فإن حكمه الإباحة ما لم تتضمن تعليمات النظام الغذائي تعاطي أغذية محرمة، وما لم يمثل النظام الغذائي المتبع إخلالا بالصحة العامة للجسم، ويباح ذلك للأفراد، بينما تُحظر ممارسته في الجموع؛ ليتحقق التوازن الطبيعي بين النوعين والذي لا تستقيم الحياة إلا به.

تغيير نوع الجنين.. بالتحكم في جيناته

ويضيف الدكتور السيد محمود أنه قد ظهرت في الآونة الأخيرة بعض النظريات التي تزعم إمكانية تغيير نوع الجنين في أطواره الأولى عن طريق التحكم في الجين الوراثي الذي يعمل على إحداث تفاعلات حيوية تؤدي إلى تحويل المبيضين في الأجنة الإناث خلال الأسابيع الثمانية الأولى من الحمل إلي خصيتين ذكريتين. وقد نجحت تجربة ذلك على الفئران من حيث تحقق المظهر الخارجي إلا أنه تبين أن هذه التقنية لها مخاطر كثيرة، أقلها عدم تطابق التركيب الصبغي للكائنات المنسلّة بهذه الطريقة مع مظهرها الخارجي، وأن الذكر المنسلّ بهذه الطريقة عقيم لا يمكنه الإنجاب، كما يظهر ميلا طبيعيا تجاه الإناث -جنسه الأصلي- وهو ما يؤكد عدم اتساق تكوينه الداخلي مع المظهر الخارجي، فضلا عما يشوب هذه الوسيلة من مخاطر تشويه الأجنة وغير ذلك من المخاطر.. وتأسيسا على ذلك فهي من الوسائل المحرم الأخذ بها لاختيار نوع الجنين. 


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية